الأحد, 30 أوت 2020 06:24

نزار...بشاعة "العسكرة" ومنطقها مميز

كتب بواسطة :

ما يثبته نزار في بيانه أن لا أخطر على بلادنا من توغل العسكر وهيمنتها وبسط سيطرتها...بل لا يمكن الحديث عن أي "بناء لدولة عصرية" مع طغيان "العسكرة"..الدارسون كتبوا عن تفكيك شبكات المصالح والنفوذ العسكري داخل أجهزة الدولة، وهذا لم يتم حتى الآن وقد لا يتحقق قريبا..."العسكرة" ليست دولة داخل دولة، بل هي فوق الدولة..كلما أتت أمة منهم لعنت أختها وسابقتها.. ترى نفسها عصب الحياة والمركز وغيرها، أيا كان، هم الأطراف والهوامش...

"نزار" صانع المآتم والأحزان وعنوان الخراب وفشو المظالم ينتصر للقابض على الحكم اليوم، ويشتكي من تعسف القابض على الحكم قبل أقل من سنة، وكلا الطرفين من صنع "العسكرة"..كلامه، ربما عربون وفاء وربما تملق وربما المتفق عليه مع "العسكرة الناقمة"، جزء من حالة سطو جديدة، من عسكرة قديمة قذفها الصراع إلى الظل، إلى حين، وتمهد الطريق لعودة انقضاض "دولة المخابرات"، لاحت ملامحها منذ فترة..

"نزار" لم يخترع منطقا ولا شذ عن القاعدة ولا تكلم بما لم يُسبق إليه، وإنما نطق بما تملي عليه "العسكرة"، أنا الدولة، بل أنا منقذ الدولة وباني "جمهورية الدم والخوف" ومن أتى بعدي يستلهم منها ويقتبس من ظلماتها وانحطاطها ومآسيها..

"نزار" ليس إعادة إنتاج لماض، بل هو الانهيار بأبشع صورته يحاصر البلد ويتوعد "ثورته المدنية" بالويل والثبور لأنها أعلنت عن موقفها الصريح من دون تردد ولا مواربة، وعرت الدكتاتورية وكشفت عن وجهها الحقيقي وأسقطت الأقنعة، ولم تجامل ولا تحايلت ولا انتحلت، وأسوأ من كل هذا، بمنظور العسكرة، أدركت حقيقة الصراع، فهي (أي ثورة الشعب) "إرهابية" بمنطق العسكرية الفرعونية، ليس لأنها تسلحت، فهي سلمية النهج والمسار والخيار، وهذا أربك "العسكرة" وسحب منها الذرائع، بل لأنها وعت واستوى عقلها..والوعي الشعبي الناهض هو عدو "العسكرة" اللدود، فقد اعتادت (العسكرة) السكينة المجتمعية والفكر البارد والشعب الخامل، كانت تمسك بخيوط اللعبة كلها، والكل خاضع (إلا قلة)، والكل يتفرج، فأي خروج عن الصورة النمطية للوضع البئيس التعيس المظلم هو "إرهاب"..

"نزار"، هنا، أفصح عما يدور في عقل "العسكرة الناقمة". صحيح أن "العسكرة" تلملم أشلاءها، اليوم، أو تحاول، بعد أن أنهكها صراع العصب ولا يكاد يهدأ، لكنها لم تتنازل عن السيطرة والاستعباد، حتى وهي تتلقى الضربات من داخلها، فلا ترى إلا حكمها وهيمنتها، والبقية خدم أو تبع لها أو على ضفافها وأطرافها، وهي المركز الذي لا ينازعها فيه أي "مدني"، وتحول هذا (المدني) إلى عقدة وتضخمت، حتى صار شعار "مدنية وليست عسكرية" هو إرهاب بعينه، بل تهديد لطغيانها ومنازعة لها في التحكم والسيطرة.

الحراك الثائر الناهض فقه حقيقة الصراع، وقال الحقيقة ولم يجامل، وهذا أزعج كثيرا "العسكرة" وأنهكها وأغرقها في صراعات لا نهاية لها في الأفق، فمن كان يقبع في الهامش ساكنا هادئا مطواعا وكتلة بشرية هامدة، أصبح منذ 22 فبراير طرفا مؤثرا منيعا يُحسب له حساب، لا يكاد يهدأ يقاوم الاستسلام والخضوع.

ومع غفلة المثقفين، إجمالا، وجمود الساسة، ظهر تصاعد وعي عام عند كثيرين من عموم الناس، مما يبشر بحركة شعبية رافضة صامدة مستميتة، فعامة الناس هم السواد الأعظم ذوو التأثير، وعودة هؤلاء إلى ساحات التأثير والاحتجاج وشعورهم بالشعب الواحد واجتماعهم على القضية الواحدة وإدراكهم لطاعون البلد المزمن والفتاك (الاستبداد) هو "غنيمة العصر"، بعد أن صُبَ عليهم وابل من السخرية والانتقاص، وكان هذا "الميلاد الجديد" للشعب الثائر المحتج إيذانا بعهد جديد من مقاومة شعبية سلمية باغتت "العسكرة" وإن ركبت موجتها، ابتداء، لكن سرعان ما تبين لها اتساعها وعمقها، والأهمَ وعيها بما لا يمكن التحكم في مسارها.

قراءة 238 مرات آخر تعديل في الأحد, 30 أوت 2020 10:02