السبت, 05 سبتمبر 2020 19:56

لماذا يستمر "القلق" في حراكنا السلمي؟ مميز

كتب بواسطة :

ليس ثمة قطعيات حادَة ولا يقينيات صارمة في الثورات، و"اليسار" أغرق الساحة في الستينيات من القرن الماضي، وما بعدها، بقاموس حادَ صارم فرضه فرضا، ومارس الإلغاء ضد أي شخص يخرج عن النص، وما زال بعض المثقفين، عندنا، يردده إلى يومنا هذا..

مُهمَ أن ندرك أن التنوع والنقاش والمرونة وسعة العقل والأفق، سمات أساسية لأي بيئة ثورية صحية، وبعض الثوار يزايد على غيره، و"ثقافة الإلغاء" ومنطق "الصّوابية السياسية" إذا سادا وسيطرا على العقل الثوري فرضا نوعا من الانسجام الإجباري، وهذا يمنع التداول الحر للأفكار، ويحجب الرؤية الصحيحة، ويحبس حركة التجديد والتقويم داخل الحركة الثورية الشعبية.

وعندما تتفاقم المظالم تُفرز تشنَجا يبلغ حدّ إقصاء أي صوت لا يساير التيار العام (الشارع السياسي) حتى وإن كان لا يعاكسه، وهذا يضرَ بأساس الحركة الشعبية التغييرية، ويغرقها في مستنقع الغرور، وُمهمَ، هنا، التبصر وسعة الصدر والعقل لئلا نتجه إلى تقييد حرية التعبير عن الأفكار، من حيث لا نقصد، خوفا من الإلغاء أو الإسقاط والتشكيك، وهذا انغلاق وتشنج وشطط، لا يخدم الحركة الثورية الشعبية بأي حال من الأحوال.

والقلق داخل الحراك حالة صحيَة وليست مرضية، فهذا ممَا يوجبه الخروج من الركود والشلل إلى عالم الفعل والتأثير في حاضر البلد ومستقبله، فلا يُعقل أن يفكر جميع الثوار الأحرار بعقل واحد، ولا تتعدد آراؤهم وتتنوع، بل وربما تتضارب، لكن مع صلابة في المبادئ والتوجهات الكبرى، فالحراك أصبح قلقا مُقلقا للآخرين الذين تعودوا على ركود الشعب وسلبيته واستسلامه، ليصيح فيهم هذا الجسد الشعبي: أنا موجود ولم أعد قابلا لأن أبقى جثة هامدة خامدة، وإني أتمرد على استبدادكم الطويل وغبنكم المستمر وعلى أوصيائكم من أعداء الثورات، يتلونون بحسب رغبة المستعمر والمتربصين.

الحراك الشعبي السلمي قلق من المستقبل ومن مصير البلد في ظل حكم يقوده إلى المهالك، وقد يبقى في مواجهة سلمية دائمة حتى يحقق التغيير الممكن، ولحظات الحيوية والوعي هي لحظات التطلع والطموح والألم، ألم الوعي واليقظة ووجع الشعور بالغبن، والوعي يُحدث اليقظة، وهي معاناة ناطقة متحركة قلقة حتى يتحقق المنشود أو على الأقل بعضه، والوقوف على حقيقة الوضع يزيد قلق الحراك للخلاص من مصائب وكوارث الاستبداد والطغيان، وتتحول المشاعر إلى أعمال في سبيل التحرر والانعتاق، وقد تخطئ المحاولات ويتخبط المستيقظ أو تضطرب صحوته، ولكنه سيسير في طريق الحرية الوعر الطويل.

وهنا، مُهمَ أن ندرك أنه ليس ثمة طريق مستقيم لا اعوجاج فيه ولا هبوط ولا صعود، ومهم أن يتحرك هذا الجسد داخل الحراك الشعبي ولا يجمد على حالة، وينغلق على كيان في مربع لا يغادره، بل يتسع صدره وعقله، ويوسع دائرة التحرك والحيوية ويتجاوز القطعيات واليقينيات ويصنع من التغيير قضية رأي عام ولا يحتكره أو يحصر نطاقه، أو يغلق عليه في مجموعات لا ترى إلا نفسها ولا تسمع إلا خطابها وما يشبهه ولا تستخدم إلا لغتها.

قراءة 198 مرات آخر تعديل في الإثنين, 21 سبتمبر 2020 05:53