الخميس, 24 سبتمبر 2020 17:38

مولود حمروش و"تهويمات" بلا أثر ولا تأثير مميز

كتب بواسطة : نصرالدين قاسم / كاتب وصحفي

أتعبنا، وما أتحفنا، السيد مولود حمروش رئيس الحكومة الأسبق اليوم بمقال بأكثر من ألفين كلمة موغل في التنظير والإشارة بالتلميح دون التصريح.. كعادته عندما يكتب يحرص السيد حمروش الذي يحلو لأنصاره وصفه برجل الإصلاحات، على ألا يذهب مباشرة إلى بيت القصيد، ويتحاشى أن يسمي الأشياء بأسمائها..

ويضع القارئ منذ البداية في أجواء الغموض والطلاسم، هذه المرة مثلا أراد بمساهمته أن يقاسم "المواطنين جملة من المعاينات والآمال وعددا من ألوان الحيطة والتخوف التي يوحي بها ما تجابهه البلاد مرة أخرى من صعوبات وعراقيل" عبارة يصعب على الذكي الكيس الفطن أن يمسك عن السيد حمروش فيها موقفا سياسيا.

ويختار السيد مولود كلماته بدقة حتى لا يثير غضب السلطة في محاولته "فهم أسباب تخبط البلاد حتى الآن في الأخطاء نفسها، وفي ما يمكن وصفه أنه قلة استيعاب"، نعم يُسمي العجز الحاصل والإصرار على تجديد النظام بالأخطاء نفسها "قلة استيعاب" وفقط.. حمروش أشد حرصا على إبقاء شعرة معاوية مع السلطة لأنه يعرف جيدا ما وراء الأكمة.. ولا يغامر بإفساد علاقته بالجيش الذي يمسك بزمام السلطة فتراه يلمح تلميحا ولا يصر إصرارا...

من برجه العاجي يطل علينا السيد حمروش بمساهمته مستعرضا معلوماته النظرية في النظم السياسية والفقه الدستوري والمصطلحات والمفاهيم القانونية والسياسية.. تهويمة لا يشعر فيها لا المواطن ولا السلطة بأنهما معنيان بها.. ليعود إلى الواقع ويتحدث عن حاجة الشعب والأرض "لدستور يوثق رابطه المقدس الذي لا انفصام له وسيادته التي لا طعن فيها، ويؤكد ثقة الشعب وتماسكه وتطلعه"، ويحدد سمات وخصائص هذا الدستور التي يعرفها الجميع..

ويحمّل حمروش "النخب، ولا سيَما نخبة الحكم، واجب إبداع قواعد وإطلاق مسارات سياسية من أجل حكم الشعب وحكم أرضه وبناء مجتمع الحق والحريات.."، ويكتفي بذلك دون أن يحدد طبيعة هذه القواعد والمسارات ولا يطلق مبادرة بهذا الاتجاه رغم خبرته في السلطة ومعرفته بكنه النظام في الجزائر..

ومن دون أن يشكك صراحة في شرعية السلطة القائمة، يخوض السيد حمروش في العموميات التي يعرفها الخاص والعام، وفيما يجب أن يكون متفاديا انتقاد ما هو قائم وكائن، يؤكد أنه "على الحكام أن يمثلوا إرادة الشعب ومصالحه المشتركة ويضمنون خياراته ويؤمنون استقراره ويحافظون على ارتقائه الدائم..".

ويرى حمروش أن موعد "التساؤل والاختبار في الجزائر قد حان الآن وليس غدا"، والحقيقة أن الجزائر فوتت الكثير من مواعيد التساؤل والاختبار منذ سنين خلت.. والآن ما هي إلا فرصة أخرى مهدورة وموعد آخر مهدد بالضياع والتفويت...

وعمَا يمكن أن يفعله الجزائريون "تجاه كل هذا التأخر والعجز والثغرات.. والقصور ونقاط الوهن والتحديات والمستلزمات، يعترف السيد حمروش، بما يعرفه كل الجزائريين وليس خافيا على أحد، أننا "أمام فراغ سياسي تنظيمي رهيب وشنيع، وأنه ليس هنالك هيكل مؤسساتي أو سياسي عدا مصالح الأمن والإدارات الإقليمية الوحيدة المتجاوبة والتي تتمتع بمصداقية مؤكدة. وليس هناك تنظيم سياسي أو نقابي يتمتع بالشرعية التنظيمية الأكيدة ولا تمثيل اجتماعي يحظى بالتقدير والتصنيف... وليس لأي هيكل اقتصادي أو مالي قائم قدرة الإدارة والحث أو التأثير بشكل حاسم في الاقتصاد الوطني"، وللإجابة على هذا التساؤل المهم، يفضل حمروش الحديث عن المبادئ العامة و"الحاجة لدولة قوية وسلطة تنفيذية ناجعة وجيش متلاحم" ثم يغوص في التشخيص فيضرب لنا الأمثال، ويحذر من سوء العاقبة كما يحذر المحذرون ولا يقدم أي سبيل عملي للمخرج..

السيد حمروش يثبت لنا مرة أخرى أنه سياسي من ذوات الدم البارد (سياسيا طبعا)، يطل علينا عندما تدلهم الخطوب عبر صفحتي الوطن والخبر بمساهمة عصماء عصية على فهم كنهها في لغتها الأصلية ومتلفة لرأس الخيط في ترجمتها العربية، لا تُسعد المواطن ولا تحزن السلطة، لا تُثمن حركة الشعب ولا تدين ممارسات السلطة، لا تحرك الجماهير ولا تربك النظام، لا تصنع رأيا عاما ولا تضعف طروحات الحكم، ولا تقدم ولا تؤخر عمليا في الأمر شيء، سوى "ها قد خرج حمروش عن صمته"، ثم سرعان ما يلوذ إلى سباته العميق في انتظار موعد آخر ..

لسوء حظ السيد حمروش والمتحمسين له، مساهمته تصلح أن تكون موضوع محاضرة مفتوحة بنقاش عام يحرج حمروش ويخرجه من شرنقة التحفظ، وإلا ستبقى بمثابة "وشوشة في واد".. غير ذات موضوع.

قراءة 662 مرات آخر تعديل في الخميس, 24 سبتمبر 2020 20:17