الأحد, 11 أكتوير 2020 06:15

الاستبداد "الديمقراطي" مميز

كتب بواسطة : د. عمار جيدل / باحث وكاتب

الاستبداد أحادية لا تقبل الرأي المخالف، وإذا هيمن الاستبداد على وطن وحكمه، يصوّر للشعب أنّه هو الوطن، فلا رأي غير رأيه، ولا تصوّر غير تصوّره، فيشيع معجما سياسيا واجتماعيا معبّرا عن أحاديته، ورفضه شريكا في الرأي، أما الرأي المخالف فهو مؤثّم مجرّم يعرّض من تبناه للتحرش وتسليط التهم الكيدية.

هذا هو أسلوب الاستبداد عبر التاريخ، وكلّما ضاعف المجتمع الضغط على الاستبداد، حاول الاستعانة بكلّ ما كان قابلا للاستعمال كرافعة أو ناشرة لأطروحته، بصرف النظر عن وزنها الشعبي ومصداقيتها عبر التاريخ، بل يتعدى الأمر إلى استعادة كلّ من كان متهيِّئًا لكتابة حاشية على متن الاستبداد، ويقدّم شرحا له للمجتمع، وبقدر ابتعاد النزهاء عن الانخراط في مسالك الاستبداد تُقَلَّصُ أيامه. 

في مثل هذا الوضع يعمل الاستبداد على فكّ حصار النزهاء له ولأزلامه، فيعمد إلى زيادة منسوب التهم الاقصائية، فيصنّف الاستبداد في خانة المتربّصين بالوطن كلّ مخالف لتصرفاته فضلا عن تصورّاته للأزمة.الاستبداد يؤكّد أنّ المستبد يحبّ نفسه ومنافعه أكثر بمراحل ضوئية من حبّه للوطن، لهذا تراه بعنوان الحفاظ على الديمقراطية يعرَّض البلاد والعباد لخطر الموت، فلا عاقل يقدّم المسالك السياسية على الوطن، فإذا كان الوطن في خطر وجب التضحية لأجله، لا أن نعرَّض الوطن للخطر لأجل تصوّرات فيها كثير من المضامين المربكة التي ترتّبت عليها تصرّفات لا تقل عنها إرباكا.

حبّ الوطن أن تعطي الوطن من غير انتظار عوض، فالذي يدّعي حب الوطن وينتظر العوض بصرف النظر عن وضع الوطن، قلبه معلّق بالعِوَضِ وليس متعلّقا بالوطن، والواقع أنّ حبّ الوطن من عدمه مسار حياة، تشهد له بالوجود أو بالفقد شعاب الحياة، فليس هناك من يعرف حبنا للوطن من عدمه مثل أولئك الذين نعيش بين ظهرانيهم، فإذا شهد لك بحبّ الوطن من عاشوا معك في الأسرة (الآباء، والأمهات، والزوجة، والأولاد، والأحفاد، والأخوال، والأعمام، ...)، والمجتمع (الجيران، والأصهار، وأبناء الحي، و...)، ومن كانوا تحت سلطتك المباشرة وغير المباشرة، سواء كنت مسؤولا أو أستاذا أو مدرّبا أو ...يعرف وطنيتك التاجر، ويعرفها الطبيب، والحارس، والعامل البسيط، و...، هذه هي الوطنية التي يقرّها كلّ عاقل، علامة الوطنية أن يسكنك الوطن وتنميته لا أن تسكن الوطن وتأخذ جنسيته، وتستحوذ على خيراته بغير وجه حق، فلا تجد من يقرّ لك بحبّه من فقد فيه تلك الصفات إلاّ تحت ضغط الخوف أو الطمع، وهؤلاء شهادتهم ليست معتبرة عند عموم العقلاء، فلا يستشهد بقول مملوء الفم بالمانعات من الصدق.

لهذا، تجد الاستبداد مقابلا للوطنية، فلا يجتمع في القلب استبداد مع حبّ الوطن، الذي يريد التفرّد بالسلطة ومنع الرأي المخالف بعنوان حب الوطن، يعدُّ نفسه الوطن، لهذا من كان خطرا على مكاسب المستبد، يصنّفه المستبد في خانة الخطر على الوطن، ومن ثمّ المستبد لا يحبّ الوطن بقدر حُبِّه لنفسه وخَدَمِه، ويدافع عنهم كمدافعتهم عنه، فبينهما تقارض، يحسّن كلّ منهما صورة الآخر لعلّها تسوٌّق في أوساط عموم الشعب، والواقع أنّ الشعب لا تنطلي عليه سمفونيات التلميع والتمييع لأنّ الصور الحقيقة للأشخاص تتداول كما هي في حقيقة الأمر، فمهما خِلْتَ أنّ حبّك لنفسك أكثر من حبّك للوطن يمكن أن يُزَوَّر أو يسوّق على خلاف ما هو عليه في حقيقة الأمر، فقد تصوّرت محالا.

قال زهير بن أبي سلمى:    وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ                       وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ 

حُبَ الوطن مسار وسيرورة، وليست كلاما يلاك، يمكن أن يدّعيه المستبد، لأنّ الاستبداد خلق عفن نتانته لا يخيفها طُنٌ من السائل العطري، كما أنّ شكله المتعرّج المتبعّج الدائري المربّع المنحرف (المكرفص) لا تركّب عليه الديمقراطية المعروفة التفصيل، فإذا ركّبتَ الاستبداد على الديمقراطية ذهب شكل الديمقراطية، فأصبح استبداد ديمقراطيا، أو الديقراطية استبداد، وهو الذي يعتبر الديمقراطية أهم من البلاد والعباد والوطن، وهذا يؤكّد أن الديمقراطية التي يدّعيها الاستبداد ليست هي الديمقراطية التي نعرفها، والتي أساسها إرادة الشعوب في اختيار الحركات السياسية التي يعتمدها والسلطة تصادق على اختياره، وليست هي الديمقراطية التي تعني تنافسا سياسيا شفافا بين حركات سياسية اعتمدها الشعب وصادقت عليها السلطة، لأنّ ديمقراطية الاستبداد هي التي تعمد إلى اختيار من يوافقها ومن يعارضها، فهو نمط حكم لا يؤمن بحقّ الشعب في اختيار القوى السياسية التي يريد، الاستبداد يريد للمجتمع، ولا يريد أن يسمع للمجتمع ما يريد، لأنّ قبول استماع الاستبداد للرأي المخالف يمثّل بداية طريق نهاية الاستبداد، والمرحلة الأولى للكشف عن عدم المواءمة بين الاستبداد والديمقراطية.

قراءة 391 مرات آخر تعديل في الأحد, 11 أكتوير 2020 06:25