الثلاثاء, 20 أكتوير 2020 09:51

السلطة تفتّش عن (خمّاس) وليس مُحاورا مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

ليس الحوار اختيارا موسميا، تفرضه الرغبة في فك الحصار عن النفس أو عن نظام الحكم، وخاصة إذا شعرت السلطة بالتضييق الشعبي الحقيقي، أو شعرت بإهمال المجتمع لاختياراتها وجملة ادّعاءاتها، ومما يزيد في عزلتها لنفسها بنفسها، استفرادها بتقرير مصير الوطن في ظل ظروف دولية ومحلية حرجة، تفرض تكاتف المجموعة الوطنية والتفافها حول مسالك سهلة للخروج من الأزمات المتولّدة عن استبداد وتدوير الفساد، فلا مطمع في الاقتراب من طريق الحلّ ما لم نوقف جماعيا المدد عن الاستبداد وتدوير الفساد، نسهم في ذلك وعيا منا بخطورتهما على حاضر الوطن ومستقبله.

يتمّ هذا المسلك الواضح، لكلّ من له عناية باسترداد الشعب الوعي ببناء الوطن والحفاظ عليه، باعتماد حركات سياسية جديدة تكون أساسا لبناء دولة جديدة، تبتعد مع الوقت عن الوسائل البائدة في صناعة السياسة ورموزها وفواعلها، وهي وسائل بسيطة، وليست معقّدة، فضلا عن كونها أكثر ضمانة لتحقيق استقرار الوطن وتطعيمه ضد كلّ أشكال الانزلاقات السياسية والاجتماعية، وفيه دفع كثير من المخاطر المحدقة بالوطن، وهي رؤية مؤسسة على فكرة الوطن -كما أراده الشهداء- قبل كل المصالح الفردية والجماعية، فلا نقدّم عصابة لنؤخّر أخرى، بل أن يكون الوطن أساس في وضع التصوّرات والخطط الإستراتيجية لإخراجه من الأزمات التي أوقعته فيها العصب وصراعاتها.

تبنى هذه المسالك على العودة المباشرة إلى الشعب، فليس هناك من هو أولى منه بالتعبير عن إرادته السيّدة، ولا طريق أضمن من العودة إليه، منعا لمصادرة حقه بعنوان التعبير عن رأيه من غير سند منطقي عقلي واضح. إذ لا يمكن تصوّر أن يكون الشعب مع محاربة موسمية للفساد، كأنّه خرج لدفع استبداد خشن باستبداد ناعم، ولا يمكن أن يكون الشعب ضدا استبداد ويسمح بتأسيس استبداد جديد، بصرف النظر عن العناوين والشعرات المسوّقة باسمه، إذ العبرة بالحريات المسموح بها كما يراها في الإعلام الرسمي، لا بالنظر إلى الشعارات والخطب، السياسة أعمال وليست أقوالا، فلو ادّعت السلطة الحرية، ولم تسمح للرأي المخالف بالتعبير عن رأيه عبر وسائل الإعلام الرسمية، فإنّ أَثْبَتَ الأمرين في العقل الجمعي هو المنع العملي، بل يكون المنع العملي ناسخ للادّعاءات النظرية، وهو شاهد إبطالها.

في مثل الوضع الذي عليه وطننا، يكون دور سلطة الأمر الواقع التصديق على اعتماد الشعب لحركات سياسية جديدة تمتاز بظهيرها الشعبي، وهو ظهير قابل للاكتشاف والقياس، لأنّ الحركات "السياسية" التي ليس لها ظهير شعبي حقيقي، أو لها ظهير شعبي مصطنع، لا يمكن أن تحدث الفارق الجوهري في الحياة السياسية، ولا يمكن أن تحدث ديناميكية سياسية راشدة متجدّدة، لها قدرة التجدّد بفعل فواعلها ذات السند الشعبي.

السلط الاستبدادية تسمي (المنولوج) حوارا، لأنّ السلطة تفتّش عن (خمّاس) في تنفيذ خطّتها، ولا تريد شعبا يقرر مصيره، ويفرض إرادته على السلطة، ولا يقبل بغير سلطة منبثقة عن إرادته السيّدة، فهو الذي يفرض اختياراته على السلطة، لا أن يتمّ فرض اختيار السلطة على الشعب.

تُعَدُّ الحرية المدخل الرئيس لتفعيل إرادة الشعب، وبغير الحريات فإن الوصول إلى دولة القانون غير ممكن على الإطلاق، ومنع الحريات دليل خوف السلطة من الشعب، ودليل تماديها في مسلكها الإقصائي، وهو مؤشّر كبير -يصل حدّ الإقرار- على ضعفها وترهّلها، وعجزها عن إقناع جمهور الشعب باختياراتها، وفي ظل توفّر جو الحريات، والنضال الجماعي المستمر لاستردادها وتفعيلها، سيكون اختيار الحوار بوصف مسلكا حضاريا وطنيا راشدا، لأنّ الحوار يزاوله الحرُّ الذي عاش بالحرية وفيها، كما أنّه لا يمكن الحديث عن الحوار مع من لا يقدّر في نفسه هذه القيمة (الحرية) الإنسانية السامية.

لهذا، نعتبر النظام المانع من الحريات فاقد للقدرة على البقاء فضلا عن الانتشار، ذلك أنّ منع الحرية منع لتجسيد إنسانية الإنسان، ومن كان هذا شأنه لا يمكنه مباشرة الحوار الفاعل المؤثر في صياغة مشروع الحاضر والمستقبل.

ويحسن في الأخير التنبيه إلى أن الحرية هي المُتَحَرِّرَة من محاولات الاختطاف التي تعرَّضت لها عبر تاريخ الإنسانية، وهي في الوقت نفسه أكبر من أن تُقْصَر على مطالب الأبدان (الأكل، والشرب، والغريزة بمعنها وأبعادها البهيمية، و...)، بل رأسها مطالب الأرواح وإشباع الحاجات المعنوية، اضطررت إلى ذكر التنبيه؛ لكي لا يذهب الخيال بالقارئ بعيدا، فيظن أننا في مقام الإحساس بالحرية في جانبها السطحي البسيط المتجلي في القضايا ذات الدور الثانوي (الأكل و الشرب، والملبس والمأكل، والمركب،…) في صناعة الحضارة، بل نرمي إلى التنبيه إلى الأفكار التي لها أهمية كبيرة في استشعار أهمية الحريات الفردية والجماعية في بناء دولة القانون والحفاظ عليها، وأهميّتها في منع تزييف الوعي بها، ودفع موانع صناعة وعي جماعي بهما (الحرية والحوار) في تشييد الوطن والحفاظ عليه والسهر على تنميته..

قراءة 83 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 20 أكتوير 2020 10:07