الثلاثاء, 27 أكتوير 2020 14:06

فرنسا بين الديمقراطية والاستبداد والعجرفة مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

فرنسا تعشعش في مستعمراتها السابقة، تسرّبت في بعضها بشكل ناعم في دواليب السلطة المالية والإدارية والعسكرية والثقافية، وبعضها  استعمرتها عسكريا في عصر استقلالها، وذلم من خلال وجودها غير المبرر إنسانيا بغير الرغبة في الاستحواذ على خيرات مستعمراتها السابقة، وتسترق السمع في بلاد أخرى لوجود حماة مصالحها في مراكز القرار في البلدان المستهدفة، وتزيد فرنسا بعجرفتها في الرغبة الجامحة في استعمال جيوش مستعمراتها السابقة في الحفاظ على مصالحها في دول الساحل.

فرنسا الديمقراطية جدا جدا جدا تسب وتنشر السبّ وتشهره رسميا، وتعتبر في الوقت نفسه دعاة مقاطعتها وسلعها متطرّفون، وهم يعلمون أنّ من أحبّ من أساء إليه أو توسّم فيه الإساءة منكوص الفطرة، فكيف بمن أساء إلى أعزّ ما في الضمير الجمعي للأمة الإسلامية، إمامنا وقدوتنا، الإنسان الأكمل سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهم يرمون المسلمين قاطبة بأنّهم متطرّفون، فليس فيهم ولا منهم من لا يغضب للإساءة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ويعمل على تنفيذ المقاطعة المعنوية والمادية، لأنّ المادي لا يتضرّر إلا بالعوامل المادية، لهذا فالمقاطعة موجعة وفعّالة، لأنّها متعدّدة التأثير، لأنّها ستتحوّل إلى مشكلة اقتصادية ثم مشكلة اجتماعية، والمجتمع هو الذي يعيد الأمور إلى نصابها.

لهذا، فتأثير المقاطعة ظاهر مع الوقت، فإن من نتائجها المباشرة إعادة النظر في الطبقة السياسية الغربية، وخاصة الفرنسية، فلا تتهاون في ذلك، وما دام الأمر كذلك فالأصل في الطبقة السياسية أن تأخذ بعين الاعتبار المشكلات التجارية وارتباطها بالمشكلة الاقتصادية وهي ذات صلة وثيقة بالمشكلة الاجتماعية، والمجتمع إذا رأى الأثر السيئ لهذه التصرفات على حاضره ومستقبله سيغيّر الطبقة السياسية بأخرى بمشاكل أقلّ.

فرنسا (الساهرة على حقوق الإنسان) والحريصة عليه، لا تؤمن بالديمقراطية كحقّ لمستعمراتها السابقة، فهي من أهمّ المحافظين على الاستبداد وتدوير الفساد في مستعمراتها السابقة، لأنّ الديمقراطية آلية لتجسيد الاختيار السيد للأمم، والأمم مختلفة من حيث الخلفيات الفكرية ورؤيتهم للكون والحياة، ولأنّ التعدّد الحقيقي هو تعدُّد المرجعية الفكرية للحياة ومنها الحكم والشأن السياسي والاجتماعي بصفة عامة. فهل حققت الديمقراطية أهدافها، في البلدان التي تصدّر إليها،؟ أم إنها استنفذت وسائلها في تحقيق حرية سياسية حقيقية لبني البشر، بوصفهم أسرة واحدة؟ هل عمل الأقوياء على إفادة المجموعة البشرية من الديمقراطية؟ أم إنهم استأثروا بها لأنفسهم  دون سائر المستضعفين؟

 ألا تعتبر الديمقراطية الحالية تعددية سياسية (تنوّع في توزيع الثروات) ضمن رؤية فكرية واحدة، تنزل الإنسان القوي منزلة السيد الذي يتحكّم في مصائر الكون وسكانه، أي كأن الديمقراطية ليست ديمقراطية، من حيث كونها لا تسمح بالتأسيس للتعدد السياسي الحقيقي المعبّر عن التعددية الحضارية، ذلك أن الديمقراطية السياسية في أصل وضعها النظري ليست قبول التنوّع الاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل هي في خلاصتها تعبير عن رؤى متباينة للإنسان والكون والحياة.

ولعلّ من أبرز ما يتغنى به الغرب وخاصة فرنسا، حقوق الإنسان، ولكنّه الإنسان كما يريده الغرب أو كما تريده فرنسا في مستعمراتها السابقة، فهي غير مهتمة بالأساس الفكري أو الديني لهذه الحقوق، وليست مهتمة على الإطلاق بالنظرة التوافقية بين جملة مكونات الأسرة الإنسانية لهذا الحقوق، لأنّهم يقصرون هذا الحق على القوى العظمى، فهي صاحبة الحق الأوحد في تحديد في معايير حقوق الإنسان والخير والشر؟ من أعطاهم الحق في تقدير ذلك؟ هل هي حجّة القوة الغاشمة؟ أم ماذا، واضح أنّها المرجع في تحديد كل ذلك.

وتباين الخلفيات الفكرية وتنوّعها ظاهرة جليّة لا ينكرها إلاّ مكابر، شاهدها حاضر الأسرة الإنسانية وماضيها، والتحقّق الميداني لا يحتاج اكتشافه لمجهر، وما دام الأمر ظاهرا، فهل مكّن كلّ البشر بوصفهم مكوّنات الأسرة الإنسانية الواحدة، أم التمتّع بها قُصِرَ على القوى العظمى؟ لا حظّ للمستضعفين من هذا الحق، وإن عمدوا إلى نشر شيء من ذلك فلأجل أنّهم أقوياء يستنسخون في الضعفاء أنموذج التبعية لا الاستقلال، ومن هذا المنطلق يسعون لتكريس غَلْمَنَة العالم الثالث، أي استعمال سائر البشر خدما للغالب الوقتي.

تحاول فرنسا المتعجرفة قصر حقوق الإنسان على المطالب السياسية، والواقع أنّ قصر الديمقراطية على الحق السياسي مع منع تعدّد الخلفيات الفكرية والخلوص بها إلى متطلباتها وأبعادها الوظيفية، دليل شاهد بنفسه على الاستبداد الحضاري الذي تمارسه هذه القوى وعلى رأسها فرنسا، لهذا ينتظر من مفكري العالم الإسلامي مدافعة الاستبداد الحضاري، والتنبيه إلى التلبيس الذي تمارسه الديمقراطية السياسية التي تريد منع التعدد الحضاري الحقيقي المعبّر عنه بتعدد سياسي حقيقي وبأساليب شفافة، ذلك أنّ الديمقراطية السياسية التي يراد تسويقها في بلداننا هي عين الاستبداد الحضاري، لأنّ النمذجة السياسية لا تخرج عن رؤية الغربي  للإنسان والكون والحياة، سواء كانت النظرة لبرالية (مركزية الإنسان) أو يسارية بمختلف تشكّلاتها (مركزية المجموعة).

التدافع الحضاري يفرض الغضب العارم للإساءة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، لأنّه في حقيقة الأمر إساءة للمسلمين، ولأنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) أكرم من أن تصله هذه الإساءة لأنها ستعود على المسيء بالمقام الأول، فتكون المقاطعة أكبر شاهد على إساءته للمجتمع الذي يتحدّث باسمه، فهذه نتيجة التصريحات الرعناء لرئيسكم، إذا أردتم توقيف تدحرج أوضاعكم الاقتصادية والاجتماعية فعليكم معاقبة رئيسكم بسبب تصريحاته المتسفزّة لمسلمين بكلّ ألوانهم وبصرف النظر عن مستويات تديّنهم، وبهذا يسهم المسلمون في العودة التدريجية للديمقراطية في مواجهة الاستبداد الحضاري الذي تطاوله القوى الغربية وعلى رأسها فرنسا.

قراءة 106 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 27 أكتوير 2020 18:13