الثلاثاء, 17 نوفمبر 2020 10:29

الفراغ الرهيب والانتقال التدريجي مميز

كتب بواسطة :

مُهم أن ندرك أن معظم التحولات من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية تحققت بعمليات واسعة ومتلاحقة، ولم تحدث دفعة واحدة. وأغلب حالات التحول قد حدثت تدريجيا، والطريق إلى الديمقراطية غالبا ما يبدأ قبل سنوات من لحظات التتويج، وغالبا ما تأخذ منحى متعرجا، وقد تكون للأحداث غير المتوقعة آثار كبيرة على مسارها...

وفي المسارات المتنوعة للتحولات من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية، لا يمكن القول إن ثمة مقياسا واحدا يناسب الجميع، أو إن هناك كراسة إرشادية بسيطة تحتوي على كامل "الممارسات المثلى" لمثل تلك التحولات، ولكن يمكننا أن نتعلم كثيرا من دروس التحولات الناجحة السابقة..ولا يُعقل أن نستأنس بالتفرج على انهيار الوضع، والتحرك السياسي الثوري اليوم من واجبات الوقت لإنقاذ بلادنا من مغامرات السلطة الفعلية وتناحراتها وحافة الانهيار، وليس من الحكمة الانغلاق على مربع واحد والانتظار السلبي، وآن الأوان للبحث عن تصور عملي لحالة الانهيار السياسي والاقتصادي للحكم الفعلي، وأن تتقدم القوى الثورية بخريطة طريق وتضغط في اتجاه مرحلة انتقالية...

نعم، نفتقد للعقول القيادية التخطيطية القادرة على تجاوز حالة الترهل والجمود، لكن التكتل الجامع يمكنه إحداث زخم سياسي والضغط، الموجة الثورية الشعبية الثانية قادمة لكن لا يمكن أن نقبع في مربع واحد ننتظرها، وإنما التحرك السياسي المؤثر حتى لا تتبدد الطاقة الثورية، والأهم من هذا حتى لا نستهلك أوقاتا عصيبة في التفرج على المغامرات والتناحرات..فلن تُحسم المعركة ضد الاستبداد في جولة واحدة ولا في موجة أو موجتين، إذ لا تهدم الثورات السلمية النظام المستبد مباشرة..

وبناء تحالف واسع النطاق في مواجهة حكم استبدادي، يتطلب، غالبا، العمل بجدَ للتغلب على الانقسامات داخل القوى الثورية، وتشجيع التقارب وبناء تحالفات حقيقية لا دعائية وصورية بين القوى الفاعلة المؤثرة من واجبات الوقت..والممكن المتاح هو مجال التحرك والضغط، وجمع الناس على الهدف الأكبر والقضية المركزية، من دون تشعب ولا تفريع ولا برنامج تفصيلي، ولا نتجاوز طاقة الإمكان، وعلينا أن نصنع ما نراه ممكنا اليوم، ومن يأتي بعدنا قد يرى أبعد ممَا رأينا.. وما لم يتحقق، اليوم، يعني لم تنضج ظروفه بعدُ، لكن نلحُ في طلبه...

ومهم أن نعمل على انتصار السياسة المستوعبة والأفكار الممكنة والرؤية المقاصدية، والدفع للذهاب إلى مرحلة انتقالية في المرحلة الأولى من البحث عن حل ممكن... وتوصي تجارب التحولات السياسية للحكم بضرورة إعطاء الأولوية دوما لكسب شيء ما على أرض الواقع، حيثما كان ذلك ممكنًا، ورفض المواقف المتصلبة (التي لا تستند إلى أوراق فعلية) يتطلب أحيانا مزيدا من الشجاعة السياسية بدلاً من مجاراة مسلك جذاب ولكنه قد لا يكون عمليا..

الانتقال التدريجي التوافقي صمام أمان من أي تهور واندفاع سلطوي أهوج، لكن مع الضغط والدفع باتجاه رفع الوصاية عن الحكم والعملية السياسية إجمالا، إذ لا يمكن إبعاد السلطة الفعلية، كلية، في وقت واحد، وذلك لأنه من الصعوبة العملية كسر هيمنتها على الحكم بجولة واحدة وحالة ثورية غير مستقرة، ولهذا، من المهم تبني مسار تدريجي لتخفيف قبضة السلطة الفعلية على القرار والحكم، بالاستناد إلى الضغط الشعبي المستمر واعتماد نهج سياسي مستقل ومؤثر يتبناه تكتل سياسي ثوري قوي...ولن تترك (السلطة الفعلية) الحكم قبل أن تستنفد كل ما في جعبتها لمقاومة تسليم الحكم لقوة مدنية، ويبقى نجاح أي أنموذج مرتبطًا بالحقائق على الأرض، وإصرار الجماهير على المضي قدمًا في أنموذج انتقال سياسي هادئ من العسكرة إلى المدنية الفاعلة.

والحقيقة أن السلطة الفعلية تتخوف من تحول ديمقراطي حقيقي يُضعف تأثيرها، وينتزع الصلاحيات والامتيازات منها، ومن جهة أخرى، تتخوف الجماهير من العودة إلى المربع الأول إن هي سمحت للسلطة الفعلية بالبقاء متمسكة بالحكم، ولهذا كان الانتقال التدريجي هو الممكن المتاح، ويبقى أبلغ أثرا من الانتظار السلبي أو التبشير بالفجر السَرابي..وتبقى قضيتنا الكبرى باختصار: أن ترفع سلطة القرار الفعلي يدها عن التحكم في مصير البلد، وعن تنصيب الحاكم وإقامة واجهة الحكم، أن يُمكن الشعب من اختيار من يحكمه بحرية في انتخابات نزيهة مستقلة من دون أي وصاية أو تدخل..هذه قضيتنا، أمس، واليوم، وغدا إلى أن يتحقق للشعب مراده..

قراءة 115 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 17 نوفمبر 2020 10:53