الخميس, 19 نوفمبر 2020 15:20

حتى لا تتحول التجربة إلى صنم مميز

كتب بواسطة :

في السياسة والثورات، كما في إدارة أي شأن عام، فإن وجود ثقل موازن أو قوى مؤثرة داخل الكيان أو التجربة مهم لمنع الاستئثار والتفرد، بغياب الثقل الموازن ويسميها بعض الدارسين "سلطة موازنة أو مضادة" تتجه التجربة، داخليا، نحو الصمم والانغلاق، وتكثر عيوبها، وهذا ما حصل في تجارب كثيرة، حتى يومنا هذا، لذا مهم وجود أكثر من رأي وقوى مؤثرة ليتحقق قدر من التوازن ونمنع التضخم والنمطية..وبغياب النقد واختفاء النقاد أو تضييق مجالهم، تُحاط التجربة أو "صناع القرار" فيها برجال التصفيق والإشادة وتكثر المجاملات ويسود التملق وزخرف القول والاغترار بالموقف والرضا بالمُنجز، ذلك أن التجارب، أيَا كانت، تحيا وتنتعش وتقوى بالنقاش الموسع والنقد الملازم لها والتطوير المستمر وتوسيع دائرة الرأي...

تحدَي التجربة والفكرة العملية ليس المسايرة والمجاراة والانقياد وإنما نقدها وتطويرها وإلا أصبحت عبئا على أصحابها وعلى حركة التغيير، الثبات والانغلاق في مربع واحد ليس ممَا يُمدح ويُستحسن، وقد يكون كارثة، وفرق كبير بين الثبات على المبدأ والثبات على فكرة واحدة لا تنتقل إلى غيرها أو تتوسع فيها أو تنوع مساراتها، والفكرة إن لم تُهذب وتُروَض وتُطور يصير صاحبها عبدا ومرتهنا لها، وتُحرم التجربة من النمو ما لم تكسر حواجز الغرور، فالإنسان أهم من الفكرة والتجربة، وقدرته كبيرة على التأثير فيها، ما لم يحبس نفسه في أسوارهما ويغرق في أوهام الانتظار والتماهي، وقد أصبح في زماننا الثوري أكثر تحررا ونضجا ومواكبة من سابقه.

ولهذا، وجب الخلاص من النظريات والمُسبقات المعطلة، فلا يمكن وضع قوانين صارمة للثورات، نُقيد بها حركة التغيير ونحشرها في صندوق واحد، فليست موجة واحدة ولا هي صيغة مُكررة ولا هي صدى لغيرها، والتصلب مُضعف لروح التجديد والتحرك الواعي.

وممَا يعدُ به مستقبل الحراك والثورات أن عقيدة التحرَر ورفض الوصاية أصبحت أكبر من خصومها، وأحسن تطبيقيا مما كانت في الماضي، وأنها نجحت، إلى حد ما، في تحريك الشعب وأحرجته من حالة "اللاقيمة"، وأحدثت اليقظة، وأن هذه الديكتاتوريات مهما كان من تزمتها سوف تتنازل ولو نسبيا عما كانت عليه، والاحتجاجات فجرت الطاقة الكامنة وزرعت التحدي والأهمية والأثر والتكافل ضد جبهة الاستبداد، وجعلتنا نشعر أن لنا كرامة وقيمة وقضية تستحق أن يُضحى من أجلها.

قراءة 123 مرات آخر تعديل في الخميس, 19 نوفمبر 2020 16:16