الإثنين, 28 ديسمبر 2020 15:41

الوطنية المُدَّعاة.... في بؤس الخطاب "الوطنجي" مميز

كتب بواسطة : رائد السمهوري / باحث وكاتب

منذ مدّة ليست بالبعيدة؛ برزت ظاهرة "لوّثت" وسائل التواصل الاجتماعي، بسيلٍ جارف من الشتائم والسباب، حيث لا يتوقف الأمر عند قذف الأعراض، والفحش الذي تقام عليه "قانونيا" القضايا والعقوبات، بل يمضي بجسارةٍ وثقةٍ إلى درجة الاتهام بالتخوين والعمالة.يسمِّي بعضهم تلك الجيوش "الإلكترونية" الجرّارة؛ "الذباب الإلكتروني"، في تعبير له دلالاته، وراءهم كتاب صحافيون، وشخصيات مشهورة، تشي كتاباتهم بمستوى تفكيرهم، حيث "اللااستقلال"، و"اللامنطق"، والتبعية المطلقة للسلطة، إلى درجة التحوّل السريع المباغت "المحرج"، من النقيض إلى النقيض، بحسب "زقزاق" الساسة وظروفها.

ويطيب لآخرين أن يسمّوا تلك الظاهرة؛ "الوطنجية"، تمييزاً لها عن "الوطنية".ربما يلتفع أي إنسان بأي شعار لتفريغ "أمراضه" النفسية والاجتماعية، سواء أكان هذا الشعار شعاراً دينياً مذهبياً، أو شعاراً أيديولوجياً، أو شعاراً وطنياً.لقد زالت تلك الموجة العنيفة المتلحفة بالخطاب الديني التي كانت تصف مخالفيها بالكفر والإلحاد والزندقة والفسق والبدعة، وظهرت موجة أعنف تسندها السلطة السياسية، تصف مخالفيها بالخيانة والعمالة.

وكلا الخطابين يؤديان إلى نتيجة واحدة؛ القمع، وانتهاك الحرمات، اللذين يؤديان في أقصى الأحوال إلى القتل، وفي أدناها إلى السجن والاعتقال. واللافت هنا أن السلطة السياسية هي وراء ذلك الخطاب الديني الذي اقتنعت بأنه ضار بمصالحها ومحرج لها، وعليه تأسست أصلًا، وهي ذاتها وراء هذا الخطاب "الوطنجي" الذي نعيشه حاليًا.ليس من همّي هنا ذكر أسماء وشخصيات، فالشخصيات تتبدل وتزول، ولكن ما يهمني هنا هو ذكر مقوّمات هذا الخطاب، وأسسه التي يقوم عليها. 

أولًا: الحلول والاتحاد السياسي:

"الوطن والحكومة شيء واحد" يحاول الخطاب "الوطنجي" أن يُشيع فكرةً تقوم على أن "الوطن والحكومة شيء واحد"، فمن خالف الحكومة، أو انتقد بعض سياساتها هو ضدّ الوطن، وضد الشعب!  يذكّرني هذا بنظرية الحلول والاتحاد" الدينية، والتي ترى أن الإله يحلّ في المخلوقات، فهو موجود في كل مكان بذاته، وذاته متماهية مع كل شيء، فالوجود كله شيء واحد. وكذلك يفكّر "الوطنجية" بالضبط، لكن بإبدال "الإله" هنا، بالسلطة السياسية، وبالحاكم، وبالحكومة. يريدون أن يقولوا إن "الحاكم" أو "الحكومة" هي الشعب وهي الوطن. ومن المعلوم "بداهةً" أن الحكومة ليست هي الوطن، إلا في القول الشعري الرومانسي لا في عالم الحقائق، بل وظيفة الحكومة هي خدمة الشعب والسير تحقيقاً لمصالحه، ومن مصالحه: حرية الرأي والكلمة، وإشاعة الرأي الحرّ، برعاية القانون، وبضمانة القانون، والمراقبة، وحرية الإعلام ليكون حقاً "سلطة رابعة" مستقلّة.

ومن شأن الإعلام، ومن شأن المفكرين، والمختصين والأكاديميين، أن يعارضوا، وأن ينتقدوا الحكومة، وأن يقولوا للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت، وهم آمنون جداً، ومطمئنون كل الاطمئنان أن لن يصيبهم مكروه، فضلاً عن ذويهم وأقاربهم، مهما كان منصب هذا المحسن والمسيء، وأن يُجَرَّ الكبير من أذنيه إذا خان أمانته.

 ليست هذه هي الصورة الوحيدة لهذا "الحلول والاتحاد" السياسي، بل يتوهّم "الوطنجي" أن من حقه، مع أنه نكرة، يكتب باسم مستعار، أن يدلي برأيه وهو يرى نفسه، على الرغم من أنه لا يملك من السلطة شيئاً، هو "الناطق الرسمي" عن الحكومة، فهو هنا والحكومة شيء واحد؛ فيوعد، ويهدد، ويبشّر بالقتل، وبأن أيّام من يهدّده "معدودة"! أي إنه هنا (وهذا حلول واتحاد معكوس) هو "الإله" الذي يحلّ في كل شيء، فضلاً عن السلطة السياسية الحقيقية. ومثل هذا الغلوّ لم يكن ليوجد لولا أن "الأجواء" متاحة، لكل من هبّ ودبّ، أن "يشبّح" كما شاء، وأن "يطغى" كما يريد.

إذا كان الحديث عن "التحديث" و"التطوير" و"النهوض" هو سمة هذا العهد؛ فكيف لا يفهم "الوطنجيون" أن أي دولة حديثة في الدنيا تضمن حق الاعتراض على الحكومة ومعارضتها؟ وأن أي دولة حديثة لا يمكن أن تقوم على هذا "الحلول والاتحاد" السياسي؟ 

ثانيًا: تمزيق الوطن تحت راية "الوحدة"  

من أعجب "تناقضات" هذا الخطاب وتهافته وبؤسه، إلى درجة السخرية، أنه، على الرغم من زعمه الاتحاد والوحدة، يشنّ حرباً مناطقية شعواء على بعض "المخالفين". 

ثالثًا: النهج الذبابي

  قدّمت، قبل أسطر، أن لفظة "الذباب" لها دلالات. ومن دلالاتها "القذارة". ولعل أحداً لا يجادل في أن هؤلاء القوم من أقذر الناس أخلاقاً (من أي بلد كانوا)، فليست بضاعتهم الحجة والمنطق والجدال والبرهان، بل كل ما هو على النقيض من ذلك، سباً وشتماً وقذفاً وانتهاكاً للأعراض والحرمات.

كل هذا بحجة "أدافع عن وطني"، وهو في الحقيقة ليس دفاعاً بقدر ما هو كسب للعداوات، وإثارة للغضب والنعرات والكراهية، لا بين الوطن وغيره، بل بين أبناء الوطن الواحد، وتفريغ لشحنات الحنق والغضب، وإظهار لأخلاق رديئة لحفنةٍ من الناس تعكس صورة مشوهة، غير حقيقية، لمجتمع مليء بأصحاب العقول والمواهب والرقيّ.ومن دلالات الوصف بالذباب كذلك "اللاعقل" و"اللامنطق"، فلا يملك الخطاب الوطنجي ذرة من منطق، ولا مسكة من عقل؛ فهو متلوّن بحسب المزاج السياسي، وهو متمدد ومتقلص بحسب "الزقزاق" السياسي، دع عنك الآراء التي تثير السخرية حقاً من بعض "الذباب الأزرق" الكبير، فضلاً عن الصغير.

ومما يدخل في اللاعقل واللامنطق؛ ظنّ هذا الذباب أن معارك "الشتائم" تُحق حقاً وتُبطل باطلاً، وأن المنتصر في "السباب التويتري" منتصر في الواقع، فيعيش انتصارات وهميّة، يصنعها بضربات من أصابعه على لوحة المفاتيح، وهو مستريح في مقهاه أو مكتبه أو بيته، إذ لا يكلفه السباب شيئاً، إلا مزيداً من الإثم الذي سيستقبله إذا لقي كل إنسان صحائفه في اليوم الآخر.

ومن مظاهر اللاعقل واللامنطق عند أصحاب الخطاب الوطنجي؛ أن أحداً منهم لا يأخذ ما يجري عالمياً اليوم بجدية، ويستمرون في احتقار "وهمي" لدول أخرى تنعم بالديمقراطية، وفيها من الحريّات ما تفتقر بلاد العرب كلها، ربمّا، إلى كثير منها، بينما يتحرّك العالَم، ويتدخّل الساسة الكبار، وتتطور القضايا، وتتصاعد الأمور، يستمرّ الوطنجي في السباب، والشتم لأناس مخلصين ناصحين، والتمجيد المبالغ فيه لآخرين، غافلاً عمّا يجري في الواقع حوله، بل مستمراً في نهجه الذي ظهر للقاصي والداني بؤسه وبطلانُه.

قراءة 183 مرات آخر تعديل في الإثنين, 28 ديسمبر 2020 15:51