طباعة هذه الصفحة
الثلاثاء, 05 جانفي 2021 10:04

"الحراك" منه بدأنا وإليه نعود.. مميز

كتب بواسطة :

كيف أنسى أيام الحراك الرائعة الجميلة، نهتف ونسير مع الحشود، ناس من ناس، نهوى مساره ونألفه، ولا يعرف أحدنا الآخر، ولا من أين هو، ولا حتى اسمه، كنا جسدا واحدا، يشد بعضه بعضا، تآلفنا وتقاربنا من غير اتفاق مسبق، لم يجمعنا برنامج ولا توجه ولا منطقة ولا انتماء ضيق، وإنما هي الفكرة الملهمة الدافعة: التغيير..نتوق للحرية ونتغنى بها، طامحين حالمين..

اقتربنا من بعضنا بعضا أكثر فأكثر مع مرور الأسابيع، وذات يوم تجرأ أحدنا وسأل أخاه: الاسم الكريم من فضلك؟ اسمي: فلان، يا مرحبا، واسمي علان، أعرفك منذ فترة، كانت الأرواح متآلفة والقضية الآسرة التي جمعتنا على صعيد واحد، ووثَقت صلتنا..وأما الجهة التي ينحدر منها، فتلك آخر اهتماماتنا، وإلى يومنا هذا لا يعرف أكثرنا عن هذا شيئا، فلا هي قضية ذات بال ولا قصة تستحق الذكر، وأما الانتماء، فهذا كان من المحظورات أن تسأل عنه، أو أن يقودك الفضول إلى معرفته، لأنه كان نسيا منسيَا، فالحراك الثوري هو الركن لشديد الذي نأوي إليه، فما كان بساط الحراك يضيق عن الأوفياء، وما كان، يومها، يتسع لمتباغضين...

تعاهدنا، مبكرا، على الاستمرار والصمود والصبر، وكان العزم ممدودا بالوعي والتصميم، صحيح كان كلامنا قليلا، لكن العمل كان أكثر بركة وتأثيرا، والحكمة، كما قال الأولون، لا تحصل من القال والقيل؛ بل هي ميراث الصمت. تعرفت إلى طينة من الثوار الأحرار، وتوثقت علاقتنا، مع اشتداد القبضة الأمنية والتضييق على الأحرار، كان الحراك، ولا يزال، همنا الأول، نجتمع عليه ونتواصى به، وكان ما كان، وكثر الكيد ولم تهدأ محاولات تفجير الحراك من داخله، ولا تزال، في زمن الوباء والتعليق، ورأوا في "كورونا" طوق الخلاص من الثورة، صبَوا عليه سيلا من الحمم الحارقة، تخويفا وتنفيرا..

فكان الصمود مُبهرا، وانكشفت الخبايا وسقطت أقنعة، وامتُحن الحراك في قدرته على تحريك الشارع وتجاوز الحفر المصطنعة والألغام المبثوثة، فكان التحدي الأكبر الذي يواجهه عقله ووعيه اليوم: الغواية والإلهاء وزرع الأحقاد والتنافر والتباعد، لاستئناف ثورته السلمية، وتحديد الوجهة وتدبير الصراع برؤية وذكاء وملازمة الضغط الشعبي، والعودة بروح أيام الحراك الجميلة، أو على الأقل ببعضها، حيث لا شيء يملأ رؤوسنا إلا فكرة وقضية التغيير، لكن بتدبير وتصور وثقافة عملية، وهذا ما تحقق بعضه.

من المثير للخيال مجيء طفل لهذا العالم في ليلة ظلماء من أبوين مغمورين في زاوية مظلمة من زوايا الدنيا. ثم يتطاول الليل والنهار وتدور عجلة الزمن الصدئة؛ فيصبح الطفل مالئ الدنيا وشاغل الناس: وتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبرُ! وقد لا يرحل إلا بعد أن يحدث تحولا تاريخيا وسياسيا لم يُسبق إليه منذ الاستقلال.

قراءة 346 مرات