الجمعة, 29 جانفي 2021 11:23

ثورة تركيا الهادئة على حكم وخراب العسكر مميز

كتب بواسطة :

التجربة الديمقراطية في تركيا تستحق الاهتمام والنظر، نجحت في تحقيق نهضة اقتصادية، بعد عقود من الحرمان والانغلاق، وتجاوزت شخص الحاكم، أردوغان، وجاذبيته وقوة شخصيته وتأثيره ودهائه إلى حالة من النهضة وتحرير شعب من نظام الوصاية والتسلط، وكانت ثورة هادئة بلا صخب ولا صدام عنيف، فيها وعي بمصائب حكم العسكر ومصالحة مع الذات وثمرة تجربة الغرب. ولم تكن تحركا خاطفا ولا لحظة استفاقة عابرة، بل كانت ثورة حقيقية مهدت الطريق إلى التحرر من وصاية وحكم العسكر، لكن بنفس طويل وكفاءة سياسية وبراعة اقتصادية وتعامل حذر مع قادة الجيش والضغط عليهم، تدريجيا، لإبعادهم عن تدبير شؤون الحكم، بالاستناد للشرعية الشعبية والإنجاز الاقتصادي وإدارة بارعة للصراع والتدافع الداخلي بلا أضرار وخسائر كبيرة.

ولك أن تقارن بين التخلف التركي تحت حكم العسكر لعقود من الزمن وبين النهضة الرائدة والتمدد الموزون لأنقرة تحت الحكم المدني المنتخب في أقل من عشرين سنة، ليتبين لكل ذي عقل أن الحكم العسكري دمار وخراب وظلمات بعضها فوق بعض..حتى وإن مال الرئيس المدني (أردوغان)، مدعوما بالحزب الحاكم، في السنوات الأخيرة، إلى قدر من التسلط وسياسة الغلق للميدان التنافسي، لكن نجح في تحييد المؤسسة العسكرية، تدريجيا، عن التدخل في شؤون الحكم وتدبيره، ورفع قبضتها على المجتمع، واستغرق هذا أكثر من 15 سنة، وأسس لجمهورية ثانية لا تشبه بأي حال من الأحوال الجمهورية الكمالية العسكرية المتوحشة..فقد عمل أردوغان على إضعاف تأثير وحضور الجيش في الهياكل والمؤسسات العمومية، وأنهى مهام كل من عارض سياسته في مجال الدفاع، وبهذا قطع الطريق على الجيش التركي لأي تمدد سياسي وهيمنة، وغاب القادة العسكريون عن الساحة السياسية منذ سنوات بعدما كانوا قطبا أساسيا في السلطة.

والأتراك سئموا من حكم العسكر، فقد كانت المؤسسة العسكرية تتدخل دائما حتى في المجال الديني، ولهذا وقفوا ضد الانقلاب العسكري الأخيرة في 2016، وقطعوا الطريق على الدبابة، ودعموا الرئيس المدني المنتخب، وقد ظهرت بوادر الخلاف بين أردوغان والجيش منذ وصول الرئيس الحالي للحكم في نوفمبر 2002 بعد فوز حزبه "العدالة والتنمية" بالغالبية في الانتخابات البرلمانية، ليصبح رئيسا للوزراء في 2003 وحتى 2014 عندما ترشح وفاز بمنصب الرئيس، وبصلاحيات واسعة، على الرغم من مخاطر الانتكاسة والنزوع نحو تشديد القبضة السياسية والإعلامية وإضعاف قدرة الأحزاب على التنافس، وهذه من عيوب التجربة.

وتبقى مشكلتنا الكبرى في بلاد العرب، اليوم وغدا، مع حكم العسكر، والدفع تدريجيا نحو تخفيف قبضتهم عن الحكم تمهيدا لإبعادهم وتفرغهم للسياسات الدفاعية وقضايا الأمن القومي، وهذا لن يحدث في موجة ثورية واحدة ولا بضربة قاضية، بل يستغرق سنوات، وبدايته تمكين الشعب من الاختيار الحر..

قراءة 270 مرات آخر تعديل في الجمعة, 29 جانفي 2021 19:57