الأحد, 07 فيفري 2021 18:42

قضية الطالب "وليد نقيش" والنفاق السياسي مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

التصريحات الصادمة للطالب وليد نقيش الذي صرّح في قاعة المحكمة بأنه تعرّض للتعذيب وحتى للاعتداء الجنسي أثناء التحقيق معه في الضبطية القضائية، سبّبت موجة من الغضب والدهشة المتفهّمة لدى الكثيرين. فكيف يعقل أنه في السنة 2021، هنالك من يتعرّض لأبشع الانتهاكات ولإهانة الكرامة الإنسانية بهذه الطريقة، لا لشيء سوى لمشاركته في الحراك الشعبي الذي شارك فيه ملايين الجزائريين، والذي تصفه السلطة نفسها بـ"الحراك المبارك".

 لكن هذه الدهشة وحالة السخط، تُخفي تحتها حالة شديدة من النفاق السياسي الذي لا يمكن تجاهله. ففي الوقت الذي يستغرب فيه الكثيرون من أن هنالك حالات اغتصاب وتعذيب في أقسام النظام، فإن هنالك تيّارًا سياسيًا كان دائمًا يشتكي من هذه الممارسات. إذ إن التعذيب والاغتصاب وإهانة الكرامة البشرية كانت أعمالاً اعتيادية أثناء فترة التسعينات البشعة، ولكن للأسف، لأن ضحاياه كانوا من التيار الإسلامي، فإن كثيرا ممن يسمّون بـ"الديمقراطيين" كانوا يغضّون الطرف عن هذه الممارسات ويصمتون عليها، مما يجعلهم في الحقيقة متواطئين مع هذه السلطة.

وثّقت الكثير من الجهات الحقوقية انتهاكات وتعذيبًا واغتصابًا على المباشر لعشرات بل مئات المعتقلين المحسوبين على الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقد وثّقت هذه الجهات حالات التعذيب مثل كتب ووثائق مثل "الكتاب الأبيض للقمع في الجزائر" من منشورات الهوغار، وحتى المنظمات الدولية في ذلك الحين. بسبب الآلة الدعائية للنظام، جرى عزل الإسلاميين عن المجتمع وشيطنتهم واعتبارهم "الآخر" الوحشي والمجهول، أصحاب اللحى والأقمصة الذين جاؤوا ليقيموا دولة إسلامية أشبه بأفغانستان، أتوا ليقمعوا نساءنا ويقطعوا أيدينا ويمنعوا الموسيقى ويجبرونا على الصلاة، وجوههم بشعة ورائحتهم نتنة ولا يستحمّون إلا قليلاً، وبالتالي فهم فصيلة أدنى من البشر، وهو ما يجعلهم مستباحين لكل أنواع القتل والإبادة والتعذيب؛ هكذا كانت "البروباغندا" السلطوية تتغلغل في الوعي الجمعي للجزائريين، من أجل إراحة ضميرهم ومنعهم عن الاحتجاج على أكبر الجرائم التي شهدتها البلاد منذ استقلالها.

 الصمت على الانتهاكات الصارخة التي تعرّض لها الإسلاميون في التسعينيات، من ترحيل كوادر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذين كان أغلبهم مهندسون ومثقفون وأساتذة جامعات، إلى معتقلات "رقان" (في عمق صحراء الجنوب)، حيث الإشعاعات النووية، لا لشيء فقط بسبب فوزهم بالانتخابات؛ ثم الإخفاء القسري المسكوت عنه حتى الآن، والاغتيالات الميدانية، وحالات التعذيب والتحرش الجنسي واغتصاب النساء أمام أفراد عائلاتهم، وقطع الأعضاء التناسلية، واستعمال الكهرباء، وإدخال المواد الحادة في الأماكن الحساسّة في أقبية التعذيب؛ كانت ممارسات اعتيادية لفترة تجاوزت العقد من الزمن؛ ورغم ذلك لم ينطق ضد هذه الانتهاك الفظيعة للكرامة الإنسانية إلا القليلون من التيار الديمقراطي، لعلّ من أبرزهم المحاميين علي يحيى عبد النور ومصطفى بوشاشي، أما الأغلبية فقد صمتت صمت القبور، بل لعلّها تشفّت في خصمها السياسي، وساندت النظام العسكري الذي خلّصهم من "البعبع".

لكن هذا الصمت لم يكن من دون مقابل: ففي الصمت على انتهاك الكرامة الإنسانية خسارة جماعية ليست متعلّقة بالضحية المباشرة فحسب، فما إن يبدأ النظام في استخدام أداة التعذيب واستباحتها، فإن جميع التيارات السياسية عُرضة لتنال هذا المصير؛ كما أن تجارب الدول التي حولنا أكّدت لنا أن الصمت على اجتثاث خصم سياسي، ليس فقط يمثّل مواتًا للمعيار الأخلاقي، وتشوّهًا داخليًا يجعل الإنسان أقرب إلى الوحوش الكاسرة منه إلى البشر المكرّم؛ بل هو ورقة بيضاء للنظام من أجل اجتثاث أية حركة معارضة في المستقبل، وهو ما نراه جليًا في الحالة المصرية حين سكتت النخبة العلمانية على اجتثاث الإسلاميين وإبادتهم في "رابعة العدوية"، لتدور عليهم الدائرة ويكونوا ضحية النظام التالية ويملأ بهم المعتقلات. 

حادثة الطالب ّوليد نقيش" تفتح جروحاً مؤلمة من الماضي القريب، وهي مناسبة لجميع القوى السياسية لمراجعة حساباتها ومواقفها من جرائم التسعينات المهولة، باعتبارها الخطيئة الأصلية التي صمت عليها الكثيرون ورضوا بأن يسحق النظام خصومهم؛ وهو ما جعل أداة التعذيب تصبح مُعطى بديهيًا للنظام السياسي يستعملها متى شاء دون حسيب أو رقيب، خصوصًا أن الإفلات من العقوبة كان السِمة الرئيسية لفترة التسعينات؛ ولعل السؤال المرعب الذي يتحاشى الجزائريون التطرّق إليه، لأن الإجابة عنه أصعب من التفكير فيها: من هؤلاء الذين مارسوا أبشع أنواع التعذيب ضد بشر مثلهم في أقبية النظام؟ وهل لا يزالون يعيشون بيننا؟ هل نلتقي بهم يوميًا في الأسواق والشوارع؟ لعل تفادي هذا السؤال أرحم من محاولة الإجابة عنه، ولعل من الأحسن التفكير في المستقبل من أجل بناء جزائر لا يعذّب فيها أي مواطن، جزائر تكون فيها رقابة حقيقية على أداء الأجهزة الأمنية والعسكرية وتمنعها من الانحراف والإفلات من العقوبة.

قراءة 307 مرات آخر تعديل في الأحد, 07 فيفري 2021 18:53