السبت, 13 فيفري 2021 21:53

ما بعد 22 فبراير مميز

كتب بواسطة :

ثمة قضية أساسية لا تقل أهمية عن استعادة الشارع: بأيَ رؤية وتصور، وبأي عقل سياسي جمعي لإدارة الصراع مع سلطة القهر والتغلب...هذا التحدي الأبرز والأكبر الذي يواجه الحراك السلمي اليوم وغدا...الصراع يُدار بضغط الشارع وتكتل سياسي ثوري بعيدا عن أيدي السلطة وأجهزتها، هذا من أوجب واجبات الحراك وكتله وقواه في الفترة القادمة...

فالثورات العفوية قد تتوّحد على مطلب واحد مثل: رحيل الرئيس، ولكن تفتقد للفعَالية عندما يتعلّق الأمر بالإفصاح عن مطالب تغييرية مُحدَّدة وتصور عملي للتحول السياسي التدريجي للحكم..فالناس، عموم الناس، يحتاجون من يدلهم على طريق الخلاص السياسي ويقنعها بفكرة التغيير، إذ لا تغيير حقيقي من غير إسناد شعبي واسع، وإدارة الصراع السياسي هي في قلب الثورات، وهي الاختبار الحقيقي لقدرة الثورة على الإنجاز العملي، فالحشود الشعبية إن لم تُترجم إلى قوة ضغط سياسي تدفع نحو التغيير وتفرض تأثيرها في اتجاهات الأحداث، وتتولى إدارة الصراع، فقد تتبدد الطاقة الثورية شيئا فشيئا، وينكشف عجزها.

لكنه العقل الجمعي والقيادة الجماعية وليس القائد الملهم البطل، وهذا لأن القائد الباطل الملحمي أصبح جزءا من الماضي، وعيوبه قاتلة ومدمرة للثورات، ومنها ميله إلى التصلب والاعتداد بنفسه، والإفراط في الثقة برأيه، والنزوع نحو الفردية والهيمنة، فإن إدارة الصراع السياسي تحتاج إلى تكتل وعقل جمعي، مما يتطلب التحول من القائد البطولي المُلهم إلى القيادة الجماعية الهادئة المناهضة للبطولة الاستعراضية، إذ يميل القادة البطوليون إلى امتلاك أسلوب قيادة واحد، من أعلى إلى أسفل، وأما القادة المناهضون للبطولة أو الزعامة الفردية، فيُكيّفون باستمرار أسلوبهم في القيادة بطريقة مرنة ومواكبة للمستجدات وعقل جمعي.

وهذا ليس خطأ القادة أنفسهم، فمعظم القادة هم ضحايا اعتبارات عفا عليها الزمن، ومعضلات اليوم أكثر تعقيدا واستحكاما واستفحالا من أزمات الأمس.صحيح أن جاذبية البطل قوية وواسعة الانتشار، لكننا نعلم أيضا أن حقائق الصراع تفوق قدر "البطل" على استيعابها والتعامل معها وخوض الصراع بعقل واحد، ثم إنه أكثر تعقيدا بحيث لا يجعل القرارات سهلة ولا تقدير الموقف العمل متيسرا لعقل واحد وإن كان مدركا ومُلمَا ومؤهلا.

قراءة 235 مرات آخر تعديل في الأحد, 14 فيفري 2021 09:18