الجمعة, 19 فيفري 2021 10:36

...إعلان إفلاس مميز

كتب بواسطة :

كل ما تفعله السلطة الفعلية المفككة، الآن، هو محاولة كسر الحراك الشعبي السلمي وصدَ الناس عنه، ما يقلقهم حقا هو صمود حركة الشعب التغييرية وإصرارها على المضي قدما، وهذا فزعهم الأكبر. التعديلات الحكومية وحل البرلمان والإفراج عن معتقلي الحراك، ولا يعلم عددهم بالضبط، وغيرها من الإجراءات لم تفاجئ أحدا من المتابعين، فقد تحدث بها مقربوهم قبل فترة، ولا تعني شيئا، وخطاب "تبون"، أمس، نقل ما تمخض عن شدَ وجذب وعراك بين أطراف الحكم لا يكاد ينتهي، فحتى هذه المعروضة على هزالتها اختلفوا عليها، كانت باهتة منزوعة الإرادة، وخضعت للتعديل، ليس ثمة رؤية ولا تصور، النظام، اليوم، بتركيبته المتصارعة لا يكاد يتفق على شيء، فاقد للإرادة السياسية والأهلية، إذا استعد الشارع للضغط الشعبي تحركوا، سراعا، وأخرجوا بعض ما لديهم من الزمن البائد، إجراءات ميتة يخيل إليهم أن حية تسعى، يريدون بها إسكات شعب ثائر مصمم على التغيير، وأحد أبرز ملامحه: إقرار الحريات ورفع القبضة الأمنية، وصولا إلى تمكين الشعب من الاختيار الحر، وما غيَر مساره ولا عضَ على جراحه ولا بلع الطعم..

وهذا الذي أوحى لهم بهذه التعديلات الموهمة المضللة كأنه لا يدري أن الزمن الثوري الحالي لا يجدي معه نمط التفكير السلطوي القديم، فالزمن تغير والوعي العام تقدم والتغيير أصبح قضية رأي عام، ثم هذه السلطة نفسها فقدت القدرة على التأثير والسيطرة على المجتمع الناهض، وعجزت عن التغلب على معاركها المستنزفة، وما عاد بإمكانها ترتيب أوراقها وعصفت بها الصراعات، ثم الظروف الاجتماعية والاقتصادية والإقليمية زادتها عزلة واضطرابا وأغرقتها في التيه..

صمود حركة التغيير الشعبية وسلميتها قضتا على أحلام النظام بوأد قريب للثورة السلمية، التغيير أصبح يطاردها في زاوية وركن، ولا مهرب منه وإن حاولت وحاولت، فهم معادون له (أي التغيير) ويخشونه، لهذا يفضلون الانغلاق في غياهب التصلب والعناد إلى أن تتقطَع بهم السبل ويُحشرون، شعبيا، في الزاوية الضيقة حشرا، وهذا بمزيد ضغط شعبي وتحريك مستمر للشارع، إذ ما لم يُجبر هذا النظام على التنازل إجبارا فلن يتقدم خطوة في هذا الاتجاه، وليس إلا قوة الشعب السلمية الدافعة التي ترغمه على التنازل التدريجي، فلن يتغير من داخله. حتى وإن طاردوا التغيير في محاولة للتملص من الضغط الشعبي، فإلى أين؟

لا تملك السلطة الفعلية غير القمع والغلق، وليس إلا عقلها الأمني الذي يضع الخطط لكسر حركة الشعب، وكل التصورات حول أيَ تنازل حقيقي، ولو تدريجي، تُسحب من الطاولة، هذا إن عُرضت أصلا.. أزمة النظام لا حلَ لها في الأفق، ويبدو أنها مُستحكمة، وهذه عقَدت مهمتهم وأغرقتهم في ظلمات التصدع والتفكك، وإفلاسه لا يمكن التغطية عليه، وصراعاتهم ما استطاعوا التكتم عنها ولا التحكم فيها، وكل تفكيرهم خارج معاركهم الداخلية مُنصبَ على إسكات الشعب ومنع استعادة الحراك السلمي للشارع، عقلهم ضيق بلا منطق إستراتيجي، بلا تصور، الأهم عندهم إنقاذ حكمهم لكن بأدوات وأنماط تفكير تنتمي إلى زمن غابر، لكن كل هذا ما عاد يُجدي، وهم في حيرة من أمرهم وقلق بالغ، ربما لم يكن مصير النظام موضع شك وعدم يقين كما هو عليه الحال اليوم، ولم يواجه حركة تغيير شعبية سلمية ممتدة أكثر وعيا ونضجا وصمودا وإصرارا كالذي يواجهه اليوم.

أعادوه من ألمانيا، فوجد "الإجراءات" جاهزة، أبلغ بها الطبقة السياسية المتكلسة، لم يكن بالإمكان التشهير بها والاحتفاء بها لأنها وُلدت باهتة منزوعة الروح، كل ما فعله "تبون" أن قرأها في خطاب بئيس تعيس مريض، لا يعرف إلى أين، ولا متى، ولا يدري عن مستقبله هو نفسه شيء، وكل واجهة النظام لا يُعلم مصيرها، بل حتى السلطة الفعلية بأجنحتها المتضاربة لا تعلم عن مصيرها شيء، تملكها الرعب واستبد بها الفزع، تبقى صانعة القرار (السلطة الفعلية) لكن بلا مستقبل معلوم ولا تحكم في اتجاهات الأحداث ولا قدرة على صدَ الناس عن الحركة التغييرية السلمية، وكل الظروف تعاكسها، والفشل يطاردها أينما حلت، في الداخل والخارج، وفرنسا تحث الخطى لإسعافها وإنقاذها من شعبها، فأنشط من يتحرك اليوم في الفراغ الرهيب الذي انتهت إليه السلطة هو السفير الفرنسي، الذي لا يكاد يهدأ، وما ترك حزبا سلطويا ولا وزيرا حكوميا إلا زاره، لكن باريس تدرك أن هذا النظام ما عاد يملك من مقومات البقاء غير القمع الأمني، وهل نجح بلد أدارت شؤونه باريس وحكمه العسكر، ولا تمكن من ترميم جدار الخوف ولا أفرغ الساحات كلية ولا حشر الناس في صندوق ضيق كما كان يصنع.

الحريات ممنوعة عن الشعب، هذا قرار المستعمر ووكلاؤه منذ الاستقلال، وهذا صنيع الاستبداد وحلفاؤه، لكن إصرار حركة الشعب التغيرية على الصمود والسلمية والاندفاع الواثق ستضع عن الشعب الناهض الأغلال ويحرره من حكم الوصاية ويمكنه من الاختيار الحر، ويُنقذ بهذا وطنه من الانهيار والاندثار، وهي المهمة التي تحمل عبئها الحراك الشعبي السلمي. كل ما تمكنوا منه منذ الاستقلال أن قطعوا الطريق على مسار التغيير الحقيقي، لكن هذا إلى حين، فالشعب الناهض اليوم أقرب إلى تحقيق ما خرج من أجله، ولو تدريجيا، وكل ما تقدر على صنعه السلطة الفعلية اليوم أن تؤخره لا أن تجهضه كلية.

قراءة 301 مرات آخر تعديل في السبت, 20 فيفري 2021 07:20