الجمعة, 26 فيفري 2021 06:16

وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية مميز

كتب بواسطة : نصرالدين قاسم / كاتب وصحفي

أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين واتقاء تفشي فيروس الجائحة، وتحملت طعنات السلطة لتصفيتها وإنهائها في جنح الوباء طيلة نحو عام كامل. وعندما قررت العودة إلى الساحات والشوارع، واستئناف الحراك الشعبي لم تثنها حملات التشويه والتخوين، ونظريات المؤامرة ولم ترعبها تحذيرات السلطة ولم تقنعها تبريرات المرتدين في برامج القنوات، ولا توجسات المخلفين في الساحات، ولا مزاعم المرجفين في المدن.في الذكرى الثانية للحراك الشعبي السلمي وفقط، لا المبارك ولا الأصيل، كان الجزائريون بالآلاف في الموعد على قلب رجل واحد، كسروا جدار الصمت وأسقطوا هالة الخوف يتبنون المواقف ذاتها، ويرددون الشعارات نفسها ويهتفون بالهتافات نفسها، ما غيروا ولا بدلوا ولا تراجعوا ولا هادنوا ولا داهنوا.

الحراك الشعبي السلمي المستأنف لا يزال وفيا لمبادئه ومنطلقاته منسجما مع ماهيته، هو نفسه حراك الثاني والعشرين من فبراير ألفين وتسعة عشر حتى تاريخ تعليقه في العشرين من مارس ألفين وعشرين، عاد بالقناعات نفسها والمطالب نفسها تغيير النظام وإقامة دولة القانون والحريات والحقوق.. السلطة هي التي ما فتئت تتغير وتتقلب في مواقفها وعلاقتها بالحركة الشعبية السلمية، استغلت الحراك لاحتواء الأحداث وضمان استمرار النظام بالتضحية بجزء من رموزه، وأسست لمسار مواز غير الذي كان يرومه الجزائريون عقب الإطاحة بالعهدة الخامسة، فرضت عبره خارطة طريق لم تشرك الجزائريين فيها ولم تستشرهم، فلم يشعروا أنهم معنيون بها فواصلوا احتجاجاتهم وواصلت السلطة خطة ما أسمته مرافقة الحراك الشعبي، بما يعني تأييده في العلن وقمعه في السر تحت عناوين مختلفة ومبررات متعددة..

بعد استكمال مخططها بتعيين رئيس بديل قررت السلطة أن الحراك كان مباركا وأصيلا وأنقذ البلاد من السقوط، وحقق كل مطالبه، وجزمت أنه انتهى.. وشرعت في الحديث عن حراك آخر استخلصته لنفسها حراك وصفته بالمبارك والأصيل، حراك بديل عن الحراك المتواصل في الشوارع والساحات عبر مختلف أصقاع الوطن.. حراك يرفع شعارات أخرى غير الشعارات التي يراها القاصي والداني في المسيرات والتجمعات، ويهتف هتافات غير التي يسمعها الجميع في المدن والقرى..

حراك السلطة المبارك والأصيل يسمع به الجزائريون في الخطابات وبرامج القنوات ولا يرونه في الواقع ولا يسمعون به، إنما يرون ويسمعون حراكا آخر يتابعونه منذ سنتين ما تبدل وما تغير.. وأمعنت السلطة في محاولات طمس الحقيقة واختطاف الحراك والاستئثار به للحيلولة دون استمراره في المطالبة بتغيير النظام، دسترته وقدسته وخصته بيوم وطني تحتفي به فيه تحت شعار "الالتحام بين الشعب وجيشه".. شعار مسيء للشعب ومهين للجيش، شعار يحتمل قراءتين وتفسيرين أخفهما وطئا فيه قدح في الشعب وطعن في الجيش، أولهما يدفع على الاعتقاد بأن الجيش كان في واد والشعب في واد آخر ولم يحدث الالتحام بينهما إلا بفضل الحراك الشعبي، والثاني يوحي وكأن الجيش مشكل من عناصر غريبة عن الشعب ألّف الحراك بينهما إلى درجة الالتحام..

والحقيقة غير ذلك تماما، فالجيش الشعبي الوطني سليل جيش التحرير الوطني من رحم هذا الشعب ومن صلبه إنه فلذات أكباد هذا الشعب تسير على الأرض الطاهرة بالزي العسكري.. والجيش من أبناء الشعب والأبناء ليسوا في حاجة للالتحام مع آبائهم؟ إنهم جزء منهم والجزء قطعة من الكل غير منفصل عنها حتى يلتحم ولو بفضل الحراك..

في الذكرى السنوية الثانية ارتفع صوت الشعب مرة أخرى عبر التراب الوطني وسقطت كل أراجيف السلطة، وأفلام الرعب الرديئة التي أنتجتها.. وأكد الجزائريون أن الحراك الشعبي السلمي واحد لا يتعدد، متواصل ويتجدد، وموقف ثابت لا يتبدد، ونفس طويل لا يتحدد، نضال باق ويتمدد حتى يحقق أهدافه في بناء دولة القانون، جزائر تسع كل الجزائريين وتضمن لهم الحق في اختيار من يمثلهم ويحكمهم بكل حرية وسيادة

قراءة 175 مرات