الأربعاء, 03 مارس 2021 19:19

ما يمكن فعله...ما وراء "شيطنة" الإسلاميين مميز

كتب بواسطة :

صنيع دوائر التربص والتخريب من داخل الحراك مفضوح، فبعد أن عجزوا عن كسره من خارجه، بالتخويف والقمع والترهيب وحملات الاعتقال والمطاردة، انتقلوا إلى محاولات تفتيت كتلته الثورية الصلبة، وهذا اقترن مع عودة سياسات التسعينيات وعقولها الأمنية..

"الشيطنة" إحدى الأدوات الأكثر استخداما، وهم بارعون فيها بالتوجيه والاختراق والتشويش على عقل الحراك وإرباكه، ويجدون استجابة لدى بعض المحسوبين على الحراك، بل وانخراطا، ليتحولوا إلى مجموعة وظيفية، علموا بذلك أم لم يعلموا، وتتوسع هذه السياسة الأمنية التخريبية في الفراغ الرهيب الذي يعانيه الحراك، فلا تكتل سياسي ثوري ولا تنسيق بين أبرز مكوناته والمؤثرين فيه، إذ الفراغ يغري بالتحرك المضاد، والشتات بيئة مثالية للتسلل وزرع الفتن والألغام.

"شيطنة" الإسلاميين للتخويف من الحراك وتحييد أطراف فيه وتأليب بعض مكوناته ضد بعض، للإيهام بأن الحراك الشعبي السلمي اخترقه "الإسلاميون" وأصبحوا هم التيار المهيمن داخله، ويبدأ النفخ والتهييج. ما لم يُسند الحراك بظهير سياسي وينبثق منه تكتل تنسيقي بعقل جمعي يصعب جدا التحكم في اتجاهات الأحداث داخل الحراك ومساره التغييري، إذ لا يمكن للشارع والجموع الشعبية الزاخرة أن يُسددوا الوجهة، فهذا ما لا طاقة لهم به، فيحتاج الناس، عموما، من يدلهم على الطريق ويضع الرؤية ويدير الصراع، وإلى من يقودهم إلى المستقبل الانتقالي السياسي بأقل الخسائر والأضرار، بخطاب مقنع جامع لا مفرق، أما أن تُترك الأمور بلا ترتيب ولا تنسيق ولا رؤية، فهذا يخدم الأطراف والدوائر المتربصة بالحراك ومن يرى في الحراك مطية ومعبرا..

صحيح أن الثورات لا يمكن إخضاعها لقوانين وضبط مسارها، إذ يتمنى الناس أن تتخذ الثورات مسارا معروفا لهم، وكثير من المحللين والمؤرخين قديما وحديثا كانوا يحبون وضع قوانين للثورة، ويبدو أنه لا يمكن إخضاع التغيير وحركة الشعوب لقوانين صارمة، ولكن يمكن التأثير في اتجاهاته وتسديد وجهته، فهذا التدفق العفوي للجماهير وتحريك الشارع لا بد أن يُترجم أو تنبثق منه قوة ضغط (أو تكتل) سياسي ثوري للانتقال إلى الفعالية أكثر وإنجاز ما يمكن إنجازه عمليا.

الأطراف والدوائر المتربصة بالحراك تعمل على تكسير وعرقلة أي مسعى تنسيقي أو توجه نحو ترتيب أوراقه الضاغطة وإسناده بظهير سياسي تخفيفا للعبء على الكتلة الصلبة الثورية وإدارة الصراع مع السلطة، وتشغله (هذه الدوائر) بحروب ومعارك داخلية وتنفخ في رماد الفتن والعصبيات وتصنع "عدوا داخليا" تستخدمه فزاعة للترويع والتخويف والتنفير. يمكننا أن نفكر بعقل مثالي حالم، ونكتب بلغة تجريدية غارقة في الخيال، لكن حقائق الواقع صادمة منبهة لا تجامل ولا تحابي، وما نرغب فيه وما يظهر لنا شيء، وما ينطبق به الحال وتوصي به التجربة العملية شيء آخر، قد نجافيه وندير ظهورنا له، لكن يفرض حقائقه علينا ويكون له التأثير الأكبر..

لم تبدأ عملية التغيير بعدُ، أعظم ما فعلناه في حراكنا أننا كسرنا الحواجز لتبدأ حرية التحرك والدفع، فهذه الحواجز التي كُسرت ليست هي الغاية، بل هي البداية، والآن أصبح المجتمع متحركا، ولكن هذا لا يعني أن هناك وصولا واضحا إلى وضع مستقر للحراك الشعبي، وهنا يأتي مرحلة الإنضاج والتسديد والفعالية وتحقيق ما يمكن تحقيقه لكن ليس بحالة الشتات والتنافر المستحكمة ولكن بالتنسيق وترتيب الأوراق وتقريب وتجميع قوى التغير الحقيقي داخل الحراك، وهذا هو التحدي الأكبر في هذه اللحظة الحرجة في تاريخ ومسيرة حركة التغيير الشعبية السلمية.. أما القول بأن المجتمع أو الحراك ينظم نفسه بنفسه، فهذه منطق تجريدي ولغة فضفاضة حالمة، ما لم يبادر العقلاء وأهل الرأي والتأثير، فإننا نحمل الحراك فوق ما يطيق ويُستنزف في مواجهة السلطة الأمنية بلا ظهير سياسي ولا قوة إسناد تخفف عنه العبء وتسدد وجهته.

قراءة 257 مرات آخر تعديل في السبت, 06 مارس 2021 10:17