الخميس, 04 مارس 2021 05:43

المصلحة الوطنية بين الإعمال والإهمال مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

تمثّل المصلحة الوطنية الأرضية الأساسية للانطلاقية التنموية الراشدة، وهي عنوان تناغم الشعب مع نفسه واجتماعه على قيمه العليا وأمانة الشهداء عبر مختلف مراحل النضال لأجل الحرية والعدالة ودولة القانون.خرج الشعب الجزائري لأجل هذه المصلحة في وحدة وطنية مشهودة، كان غرضها الصريح استعادة المبادرة التحررية بمدافعة الاستبداد، على أمل منع إنتاجه من جديد هو وحليفة الفساد، فكان من عُمَد برنامج الحراك منع تدوير الفساد أي منع إعادة تأهيله السياسي، وذلك من خلال التركيز في شعاراته على السمة العامة التي خرّبت البلاد وشكّكت الجيل في إدّعاءات حرص النظام على المصلحة الوطنية المُتَغَنَى بها عبر مختلف مراحل الدولة الجزائري.

ردّد الجزائريون في بداية الحراك شعارات وضلوا ملازمين لها اليوم، منها: "الجزائريون" "les Algerien" هكذا بالجمع لا تمييز إيديولوجي ولا عرقي ولا فكري، قرار جماعي لمبادرة وطنية جامعة سلمية حضارية، لها هدف واضح وبسيط " الحرية، ودولة القانون، والعدالة، وتفعيل أمانة الشهداء" فقد اجتمعوا على الحدّ الأدنى السياسي، ولم تشغلهم ترّهات التشتيت العرقي حينا، واستعمال وثائق الثورة لأجل الإلهاء عن المشكلة الرئيسة، والتي يعلمها كلّ عاقل نَبِه، له دراية بالمناورات التي يُراد إشغال الشعب بجملة مكوّناته عنها، بتسريب قضايا هامشية إلى التداول السياسي (هامشية بالنظر إلى القضية المحورية التي عليها مدار النضال الوطني السلمي  الجامع)، فيراد بالمناورات الإشغال عن مدافعة " الاستبداد ومحاولات إعادة إنتاجه".

بقي المرافعون عن هذا المسلك أوفياء لمهمّة الدفاع عن مؤسسات استنساخ الاستبداد والفساد، فكانت جهودهم زيادة في تعكير الجو السياسي ومصادر تأزيم في الحياة السياسية، وإذا أعيتهم الحجة وخانتهم قدراتهم "الفكرية" هاجموا الرأي المخالف ورموا متبنيه بالخيانة حينا والعمالة حينا آخر، واختاروا بـ"عناية" ما يشوّشون به عن أم القضايا (الاستبداد والفساد)، ودعوا لاستعمال وسائل "الدولة" الأمنية ضدهم، وحرّضوا على كلّ حرّ لا يوافقهم الرأي.

دافعت عن مصلحة الوطن ووحدته في لقاء "عين البنيان" يوم أن كان المغرر بهم من هذه الجهة أو تلك يؤسسون لثقافة الاصطفاف، قلت يومها: "الجزائر لا تكون إلاّ بالكلّ ولصالح الكلّ، الجزائر بنا جميعا"، هذه مقاصد سياسية وطنية جامعة، ليست وقتية أو تكتيك سياسي تافه، بل كانت بدافع تحويل قناعتنا الجماعية (بحاجة الكل للكل وبالكل) إلى مشاريع وطنية شاملة، تركّز على نشر هذه الثقافة وجعلها تصرّفات جماعية تتجلى في شعاب الحياة.

تبنينا هذا المسلك ولم نبارحه قدر أنملة، ولم نتلكّأ في قضية المصلحة الوطنية، فلم نحرّض  البعض ضد البعض الآخر، إذ نَعُدُّ هذا التصرّف خدمة مجانية أو مدفوعة الأجر (لدى البعض) لمؤسسات إعادة إنتاج الاستبداد وحليفه الفساد والإفساد.الوحدة الوطنية رصيد جماعي يستوعب كلّ الشعب يستشرف تحقيق المصلحة الوطنية الشاملة (لا تستثني أحدا)، يقيمها الشعب ويحميها وينميها، وكلّ محاولات الاستفراد بها لا يمكن أن يكتب لها النجاح. 

عاش الشعب الجزائري في حراكه هذه الروح التي حوّلها فعليا إلى ثقافة دفعته إلى تبني مدافعة الاستبداد والفساد لأنّه يمثّل خطرا فعليا على الوحدة الوطنية، فكان أهل عنابة في حراكهم يرفعون صور أهلنا من أدرار، وأهل وهران يرفعون صور أهلنا من تيزي وزو، وأهلنا في العاصمة يحيّون أهلنا من غليزان، و...فكانت هذه اللوحة التي رسمها النضال الوطني الجامع في الحراك أكبر شاهد على الوحدة الوطنية والحرص على مصلحة الوطن، كما زاولها الرجال والنساء في الشارع الجزائري، يحسّون أهلهم في كلّ الوطن، يدافعون ويرافعون عن أهلهم في كلّ مكان، فما الذي دفعهم إلى القيام بهذاه التصّرفات؟ إنّها  وحدة الآمال والشعور المشترك بالآلام، إنّها الوحدة الوطنية العملية التي هي عنوان الحرص على المصلحة العامة، إنّه عمل ميداني يتجاوزت التغني النظري بها. الوحدة الوطنية حرص على وحدة الشعب ومصلحته، فكلّ محاولات إقصاء البعض ابتزازا للبعض الآخر في التدافع السياسي تجارة كاسدة بائرة تمثّل خطرا على الوحدة الوطنية العملية، وكلّ محاولات التحريض على البعض أو قبوله يمثّل تهيئة لوباء الفُرْقَة وتشتيت الوحدة الوطنية العملية وتضييعا لمصالحها الحاضرة والقابلة.

الحرص على المصلحة الوطنية وفق أمانة الشهداء والروح الحراكية الوثّابة، تثبّت أقدام النزهاء على خط النضال الوطني الجامع، وتجعلنا نسترخص مهجنا خدمة لوطننا ومصلحة شعبنا (كلّ شعبنا)، ذلك أنّه انطبع في الضمائر أن لا نقبل المساومة في المصلحة الوطنية  والتي من مقتضياتها: الحرية، ثم الحرية، ثم الحرية،... والعدالة ودولة القانون، نحن مقتنعون أنّ مصلحة الوطن ووحدته والتشبّث بها يجعلنا لا نقبل أن يحكم الشعب بغير إرادته السيّدة المُعَبَّر عنها بشفافية، ومن هنا نكرر مرّة أخرى أنّ الحرص على الوطن هو حرص على الإرادة الحرّة الجماعية، وان تكون التصوّرات السياسية وما ينبثق عنها من تصرّفات هو الابن الشرعي لهذه الإرادة الحرّة، وكلّ محاولة لمنع تجسيد ذلك ضد المصلحة الوطنية.

المصلحة الوطنية ليست كلاما يلاك أو أغنية تردّد هنا وهناك، بل هي بذل جماعي من غير انتظار عوض، لأنّ حبّ الوطن فطري، لا يدفع ولا يرفع، وتجسيد المصلحة الوطنية أهمّ دليل عليها. والبذل الجماعي هو محرّك استجلاب المصلحة، ومفاده  أنّ الجزائر هي الكلّ ولا يكون إلا بالكلّ وللكلّ، وكلّ تعطيل لهذه المعاني أو تشغيب عليها لا يخدم المصلحة الوطنية بل يضرّها، وهو أهمّ مظاهر إهمال العناية بها، ولا يدفع هذا الإهمال إلاّ بإعمال المصلحة، ويكون التحرّك جماعيا لخدمة كلّ الجزائريين وبهم جميعا.

قراءة 242 مرات آخر تعديل في الخميس, 04 مارس 2021 08:13