الأربعاء, 10 مارس 2021 05:45

المناورات إلى أين؟ مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يمثّل الحراك قوة ضغط شعبي سلمي حضاري، يعبّر عن وعي بالقدرة الجماعية على التغيير، استرجع بموجبه عموم الشعب الإيمان بحاجة الوطن للجميع وحاجتهم للوطن في الوقت نفسه، ولا شكّ أن بلوغ هذا الوعي ليس سهلا، بل هو من أصعب المهام في ظل سياسة رسمية لم تثبت على خطة تنموية جامعة، فشاب خططها المترهّلة التردد في التصوّر والتنفيذ، وحاولت السلطة تدارك ذلك ببذل المال مباشرة من خلال شراء الصمت (الرشوة الاجتماعية)، ودفع عموم الشعب إلى الاستقالة الطوعية عن الحضور السياسي الحقيقي في تقرير حاضر الوطن ومستقبله سياسيا.

وحاولت السلطة أحيانا دفع الناس للانخراط في مسعاها السياسي في بُعْدِه المتعلّق بالحدث الانتخابي، وبذلت لأجل تحقيق هذه الغاية أموالا طائلة؛ جنّدت لها وسائل الإعلام الثقيلة، باءت هذه المحاولات بالفشل الذريع، وفشلها في تحقيق هذه الغاية -في مختلف المراحل- ظاهر، يُغَطَى عليه في كثير من الأحيان بتزوير الانتخابات، وتقسيم الأنصبة بين المترشحين بحسب رغبات السلطة لا بحسب الأوزان الشعبية.

إنّ وعي الشعب بقدراته على إحداث التغيير ورغبته الملحّة في إحداث التغيير بالفعل، في ضوء الاستقالة السابقة، تسترعي التفكير الجدي في تثمين هذا الوعي وتحويله إلى فعل سياسي راشد، لمن رام استثمار هذا الوعي، وكلّ من أهمل هذه المعطيات في إحداث وثبة سياسية مرحلية مدروسة، سيختار بعمله هذا الاصطفاف في خانة مناورات المغامرين بالوطن والحراك ومكاسبه السياسية. وقد تمادى المغامرون في مناوراتهم، فعطّلوا بدايات الوثبة المنتظرة وحاولوا اغتيال حلم الشعب في التغيير السلمي الحضاري الهادئ، وظهرت هذه المناورات في أشكال كثيرة، تشهد بأنّ الذي أشار بهذه الحلول أبعد من أن يكون مشغول الفكر بالوطن، ولهذا جملة من التجليات:

- الطمع في الممارسة السياسية بغير الأدوات السياسية فيه محاولات يائسة لتجريف الحياة السياسية، وإفساح المجال لغير الفاعلين السياسيين في السياسة بالالتفاف على الحياة السياسية، بتكوين مؤسسات ضرار في السياسة، قد يكون من نتائجها المباشرة إفراغ المؤسسات السياسية من محتواها البشري والفكري، مما يفضي إلى تدمير الحياة السياسية، وتزهيد عموم الشعب في العناية بالتنمية السياسية والانخراط في المؤسسات السياسية التي تُعَدُّ عمدة تأطير المشهد السياسي.

- عدم الاستماع المباشر للحراك، شاهده أنّ الخطاب الرسمي يتحدّث عن الحراك كما يريده لا كما هو عليه في الواقع، لهذا فنحن نعيش حراكا غير الذي نسمع الكلام عنه في وسائل الإعلام العمومية، وهذا له صلة مباشرة بعدم الاستماع للحراك وصمت وسائل الإعلام العمومية –التي هي ملك لدافع الضريبة – عن نقل نبضه، لهذا فإنّ حراك الواقع غير حراك الإعلام الرسمي، وهو مظهر من مظاهر المناورة على الحراك والمغامرة بمكاسبه.

- لعلّ من مؤشرات المناورات المغامرة وعدم الاستماع للحراك كما هو في الشارع، الرغبة في استمالة بعضه ضد البعض الآخر بحسب مقتضيات المرحلة، بحسب تحديد المناورين، فيعمدون إلى هذه المغامرات بحسب التدافع السياسي الوقتي في منظومة الحكم، فتكون الاختيارات منضبطة بالتوازنات داخل السلطة، عوض أن تكون مبنية على أساسا توازنات القوى السياسية ذات السند الشعبي الحقيقي.

- يلحق بما سلف بيانه عدم السماح بالانخراط الحقيقي للشباب في السياسة بتعطيل اعتماد قوى سياسية ناشئة جديدة، خزّانها الجماهيري شبابي بامتياز، وشكاوى تعطيل اعتمادها أكبر شاهد وأوضحه على أنّ التفكير في المسألة السياسية الوطنية ما زال محكوما بالمنطق السياسي السابق، لم يبرحه قيد أنملة، وفي ذلك تأكيد على عدم الحرص على تفعيل الحراك وجعله وسيلة لوثبة سياسية راشدة.

تمثّل مناورات المغامرين بإهمال الحراك كوعي بالقدرات الفردية والجماعية المتنوّعة في إحداث الوثبة السياسية انتكاسة سياسية وحضارية وأخلاقية، ومخاطرة بمستقبل الوطن لصالح السلطة، والمغامرة بمستقبل الوطن خطر على السلطة والمعارضة على سوّاء، لأنّ الوطن هو الأصل فلا قيمة لما يتفّرع عنه سواء كانوا سلطة أو معارضة، المغامرة بمكاسب الحراك مغامرة على الوطن، ومن ذلك السعي الحثيث لشيطنة بعض مكوّناته بحسب حاجة المغامرين فيما يختارونه من شيطنة، إذ لا صلة لهذه الشيطنة بالقضية الرئيسة التي خرج لأجلها الجزائريون عبر مختلف الولايات، وهو الهدف الأساسي الذي لا نملّ من تكراره وتأكيده على مسمع الجميع: منع تأهيل الاستبداد ومؤسسات تدوير الفساد، ولا يمكن أن يختفي هذا الشعار إلاّ بالسير السنني نحو تحقيق أهدافه.

إنّ الذي ينتظر أن لا يقلع عن هذه التصرفات، لا ينتظر من الحراك أن يغيّر وجهة نظره فيه وفي تصرّفاته، وإلاّ سنكون كالذي يريد حرمان الناس بوصف الجدار الأعوج بأنّه أعوج، وهو يعلم أن إسكات الناس عن وصف الأعوج بالأعوج، هو تصحيح وضعه لا إسكات الناس عن وصفه. مناورات المغامرين الرسمية لم تكن حلا ولن تكون حلاًّ، الحلّ هو الإقرار بالحراك كوعي وقوّة ضغط شعبي عام سلمي حضاري، والمساهمة الجماعية في تفعيل دوره وفق خطّة مدروسة، بدايتها نقل نبضه في وسائل الإعلام العمومية الثقيلة، نبضه كما هو عليه لا كما تريده السلطة أن يكون عليه. ولنا في التاريخ السياسي أكبر شاهد على ذلك، هل أفادت المناورات السابقة في حلّ أزمات الوطن،؟ وهل تنفع لإحداث التفاف وطني ضد الخطر الأجنبي الذي يحيط بنا من كلّ جانب؟

تفرض الظروف السياسية الراهنة التأكيد أنّ المناورات فيها إطالة أعمار الأزمات، وتشتيت للقدرات الجماعية والفردية، وتضييع لأوقات المجتمعات فيما لا ينفع حاضر الوطن ومستقبله. الوطن هو الشعب، والشعب هو الوطن، ويمثّل الحراك رغبة ملحّة في استعادة الشعب للوطن، واستعادة الوطن للشعب، ليس الغرض أن نستبدل عصابة بأخرى، بل أن نؤسس لمسلك جديد يقطع الطريق على المغامرة بعدم تفعيل مكاسب الحراك، ويقع أكبر اللوم على السلطة التي أهملت تلقي اليد الممدودة من الحراك، كان يُنْتَظَر التفاعل الإيجابي مع مطالبه والسير في اتّجاه تفعيله، عوض الإهمال العملي لمطالبه.

إنّ المناورات سلاح الضعفاء، ومن يريد بهذا السلاح عدم الإقرار بالتحدّيات السياسية الحقيقية التي يواجهها الوطن، فستواجهه هذه التحديات نظريا ثم تدبيريا، ومن سعى إلى اتّخاذ المناورات وسيلة لإهمال التحديات واللغو فيها، وربح الوقت؛ فإنّ التحدّيات نفسها ستقرر مصيره ومصير اختياراته المناوراتية، فتكون كلّ تصوّراته وتصرّفاته المنبثقة عنها رجع صدى، لا صلة لها بنبض الشارع، وتصوّرات هذا شأنها تنبثق عنها تصرّفات من جنسها، تنتهي في أحسن أحوالها إلى محاورة النظام لنفسه، ومع هذه الرعونات السياسية القائمة على المناورات السياسوية ستزيد الأزمة السياسية تعقيدا، وسيفقد المناورون بهذه المغامرات دخول تاريخ جديد يسهمون فيه في نهضة وطنهم بتفعيل الحراك، وبهذا يغادرون سفينة خدمة الوطن لأجل الوطن من غير رجعة. إنّ المناورات السياسوية خسارة للأوقات وصرف للطاقات البشرية والمادية والمعنوية فيما لا ينفع البلاد والعباد، ومن ثمَّ فنهايتها إلى زوال، وكما يقول المثل الشعبي الجزائري: "ما ينفع غير الصحّ"، أمّا الكذب فأيامه مهما طالت فهي قصيرة.

قراءة 115 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 10 مارس 2021 05:53