الأربعاء, 24 مارس 2021 11:51

أهمية ألا نبدأ من الصفر مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

في كثير من المشاريع الثقافية أو السياسية، وبعد اجتماعات مطوّلة للقائمين على هذه المشاريع، يحدث أن يلتحق أحدهم في الاجتماع السابع أو العاشر، ليُعيد النقاش إلى مربّعه الأول ويقترح اقتراحات جرت مناقشتها وتجاوزها؛ فيضيّع على الناس كثير من الوقت والجهد في أفكار وجدا تجاوزها الحاضرون منذ البداية.

*

الشيء نفسه يمكن إسقاطه على الحركة الوطنية والنضال السياسي، يحصل أن يلتحق مجموعة من المتحمّسين بعد الثورة، غير مطلعين تماما على التجارب والنقاشات ما قبل الثورة، ليُعيدوا إحياء نقاشات وجدالات قديمة تجاوزها الزمن. من بين هذه النقاشات هي موضوع المشاركة في البرلمان أو "نقل الحراك إلى داخل البرلمان" من خلال مرشّحين يتفق عليهم الحراك .. إلخ.

*

النضال السياسي في كلمة واحدة هو "تراكمية". لا يمكنك أن تأتي في لحظة ما، وتفصلها عن كل ما سبقها من تجارب ونضالات وتحاول البدأ من الصفر وكأنك أتيت بما لم يأت به الأوّلون.لم يبدأ النضال الديمقراطي في الجزائري منذ 22 فبراير 2019، بل هو سلسلة ممتدة منذ حرب التحرير،  فالاستقلال وما تلاه من محطات مفصلية إلى غاية لحظة 22 فبراير. الاستماع إلى التجارب التي سبقت هذا التاريخ مهمة جدًا، لأن نضالاً بلا ذاكرة، لا يمكن أن يكون له مستقبل.

*

خرج الناس في 22 فيفري 2019 إلى الشارع بعد محاولات طويلة وعشرات السنوات من محاولات التغيير من الداخل والمشاركة في الانتخابات واختبار صدق نيّة السلطة، وباءت كل هذه المحاولات بالفشل. لذلك فإن السياسة بدون دراسة التجارب سابقة ستكون محض عبث. صدّق الكثير من المناضلين وعود بوتفليقة سنة 2012 بأن الانتخابات البرلمانية ستكون نزيهة بعد أن قال "طاب جناني" ووعد بتسليم المشعل للشباب؛ وقد جاءت تلك الانتخابات في سياق ملتهب متعلق بالربيع العربي، خاف خلاله النظام الجزائري من مصير تونس ومصر، واستبشر الكثيرون بأن هذه الانتخابات ستكون نزيهة.

*

لكن النتيجة كانت واحدة، تزوير شامل ولعبة مغلقة يتحكّم النظام في كل مخرجاتها. المحامي والحقوقي مصطفى بوشاشي الذي شارك في انتخابات 2012 ودخل البرلمان، وصل لقناعة بعد سنتين من اختبار التجربة إلى أن نظام مخادع ولا نيّة له في أي إصلاح أو انفتاح، واستقال من البرلمان. نفس الأمر بالنسبة للحوار والمشاورات مع النظام، بدأ النظام مشاورات للإصلاح منذ 2011، وبعد سنوات طويلة من الحوارات والنقاشات الشكلية، جاء دستور 2016 الفارغ من أي إصلاح حقيقي.

*

كل هذه التجارب من المهم معرفتها قبل طرح فكرة المشاركة في الانتخابات، وكأننا نبدأ من الصفر، أو أننا لا نملك تراكمية سياسية وتجارب سابقة مع هذا النظام يمكن الاستناد عليها. ذاكرة الشعوب أطول من ذاكرة الأفراد، والتاريخ منجم للدروس والعبر؛ وعندما تكون هنالك نيّة حقيقية للإصلاح من طرف النظام السياسي، توجد مؤشرات واضحة وجليّة على ذلك لا تخفى لأحد، كإطلاق سراح المعتقلين (لا يزال هنالك 20 معتقلاً في السجون لم يشملهم العفو الرئاسي) وتوقيف المتابعات القضائية والاستخبارية ضد الحراكيين، ولجنة مراقبة انتخابات تكون مستقلة استقلالاً حقيقيًا لا شبهة فيه من حيث شخصياتها وصلاحيتها، وترك الحرية للصحافة، وفتح الفضاءات العامة كالقاعات والشوارع، وعدم التضييق على الحراك، وغيرها.

*

أما في ظل عدم توفّر أي شرط من هذه الشروط، وتحت قبضة أمنية وقمعية غير مسبوقة، وحراك شعبي يفرض نفسه في الشارع؛ فإن المشاركة في هذه الانتخابات هي خيانة للشعب الجزائري وهدية مجانية للنظام السياسي وتمديد في عمره وتجميل لصورته في الخارج، ودوس على قضايا المعتقلين والمتابعين قضائيًا.

قراءة 247 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 24 مارس 2021 12:05