طباعة هذه الصفحة
الأحد, 28 مارس 2021 22:05

للمرة الألف...التنسيق وإدارة الصراع وليس التمثيل مميز

كتب بواسطة :

لا يقتل الفكرة إلا السكوت عنها أو تمييعها أو تشويهها أو خذلانها من الوصول للناس، وكم من حق اغتاله الصامتون، والقضايا الكبرى لا تُسقط القضايا التي قد يراها بعضنا صُغرى، ولأن القضايا التي تُرى صُغرى في لحظة الذهول والإغراق والانغماس ستكون مع مرور الوقت كُبرى، فأرجو أن تتسع رؤيتنا...والمبالغة في التشكيك مرض قد يثير الغبار في وجه من يطالب باتساع الرؤية وإنضاج الموقف...

فلا أدري لم يُصرَ بعضنا على غمز ولمز "التمثيل"، ولم يقل به ناشطون أو تحمسوا له، فما يتحدث عنه الميدانيون هو التنسيق والضبط والمشورة، منعا للتخبط والتضارب، وحتى لا تبدد الطاقة الثورية ويواجه الحراك بخطر الاستنزاف الميداني وفرط الإجهاد وتكثر الرؤوس والنفخ فيها، وتتضارب الرؤى والتقديرات. وهل وُجدت حركة تغيير أو ثورات بلا تنسيق وترتيب في حدود الممكن المتاح؟ ومتى كانت الفكرة تهيمن وتقود بلا عقل وإنسان يهذبها ويحسن تطبيقها؟ وهل وجدتم هاديا نظريا بلا دليل عملي يرشد ويوجه؟ وهل أنزل الله كتبا بلا أنبياء ورسل؟ وهل أغنى الكتاب (الهادي النظري) عن الرسول (الدليل العملي)؟

والسياسة، بمعنى هنا تدبير الصراع، هي في قلب الثورة وعقلها، فالشارع بلا تدبير سياسي للصراع أقرب إلى حالة احتقان وغضب يغلي في الصدور، تُبدَد طاقته الكامنة مع مرور الوقت، فالعقل السياسي الجمعي يُترجم حركة الشارع المتدفقة إلى قوة ضغط ودفع..

والثورات الشعبية مزيج من العفوية والتنظيم (بمعنى التنسيق وترتيب عقل الثورة وأوراقها ومسارها)، فالعفوية تقيها من الاستئصال، والتنظيم يعينها على حسن التسديد، وهذا من تدبير العقل السياسي الجمعي، فليست الثورة اندفاعا متدفقا هائما، وإنما هي زخم الشارع بعقل ومنطق وتدبير، لترجمة حركة الثورة في الشارع إلى قوة ضغط سياسي دافعة، وإنما تحسن خواتيم الثورات إذا كان العقل السياسي لديها متقدما على الواقع العملي.

وبغياب النقد واختفاء النقاد أو تضييق مجالهم، تُحاط التجربة (الحراك هنا) فيها برجال التصفيق والإشادة وتكثر المجاملات ويسود التملق وزخرف القول وخطاب الشعبوية والاغترار بالموقف والرضا بالمُنجز، ذلك أن التجارب، أيَا كانت، تحيا وتنتعش وتقوى بالنقاش الموسع والنقد الملازم لها والتطوير المستمر وتوسيع دائرة الرأي...

تحدَي التجربة والفكرة العملية ليس في المسايرة والمجاراة والانقياد وإنما نقدها وتطويرها وإلا أصبحت عبئا على أصحابها وعلى حركة التغيير، الثبات والانغلاق في مربع واحد ليس ممَا يُمدح ويُستحسن، وقد يكون كارثة، وفرق كبير بين الثبات على المبدأ والثبات على فكرة واحدة لا تنتقل إلى غيرها أو تتوسع فيها أو تنوع مساراتها، والفكرة إن لم تُهذب وتُروَض وتُطور يصير صاحبها عبدا ومرتهنا لها، وتُحرم التجربة من النمو ما لم تكسر حواجز الغرور، فالإنسان أهم من الفكرة والتجربة، وقدرته كبيرة على التأثير فيهما، ما لم يحبس نفسه في أسوارهما، وقد أصبح في زماننا الثوري أكثر تحررا ونضجا ومواكبة من سابقه. ولهذا، وجب الخلاص من النظريات والمُسبقات المعطلة، فلا يمكن وضع قوانين صارمة للثورات، نُقيد بها حركة التغيير ونحشرها في صندوق واحد، فليست موجة واحدة ولا هي صيغة مُكررة ولا هي صدى لغيرها، والتصلب مُضعف لروح التجديد والتحرك الواعي.

ومهمَ جدا أن ندرك أن قيمة الفكرة ليست في صحتها كما نظنها أو نراها، وفقط، ولكن أيضا في صحة تطبيقها وملاءمتها وتهذيب اندفاعها وعنفوانها، والفكرة قد تضر عندما لا تخضع لتجارب عقلانية، لأن الأفكار مهما كانت يُفسدها الإنسان بتفسيره وطريقة تعامله معها والعكوف عليها والوثوقية العالية بها...ويمكننا أن نصلح أفكارنا دائما عندما نقلل من تقديس الفكرة ورفعها فوق الإنسان وطاقته وتحمله وظروفه...

قراءة 284 مرات آخر تعديل في الأحد, 28 مارس 2021 22:41