الأربعاء, 28 أفريل 2021 13:21

البطولة الهادئة... مميز

كتب بواسطة : مراقب

عندما نتحدث عن القادة المُلهمين، فلأنهم جمعوا بين قوة العقل وإشعاع الروح وضبط النفس، بين المناضل المكافح التواق للتغيير الحقيقي وبين السياسي الحصيف المتزن، الذي ارتفع فوق ركام كبير من الأحقاد ومن ضعف النفوس، ومن قصور النظر ومن الانتقام الأهوج، يصنعون لنا قدوات في زمن صعب، فالإنسان هو نبت الأرض فكرا واحتجاجا وثورة وتفاوضا وتدافعا، وابن السماء روحا وأخلاقا وسموا...والنزعة المستبدة مرفوضة ولو من الثائر المقرب، وثمة تصرفات تحمل بوادر دكتاتورية، وندرك ما يصنعه التفرد في مجتمعات ضعيفة المقاومة وتقبل بسلوك ظاهره بطولة وآخره دكتاتورية..

والمطلوب تصميم موقف متزن يمتص التشنج والتصعيد الأهوج للسلطة وتفليس المزايدين، ويقرب بين العقلاء داخل الحراك، لأن التراجع سيئ والتصلب أسوأ، ومهم ترشيد الحراك وإنضاج عقله ووعيه، واحتواء الخصوم وضبط النفس...ومهم جدا في المنعطفات الكبرى والشدائد أن لا يفقد صاحب القضية اتزانه ويغيب عنه الرشد، وعلينا أن نقف ضد التفرد والتهور حتى ممَن نثق فيه، لئلا يُبرر للأسوأ، ونعطي خصوم الثورة السلمية الحجج للطعن والتجريح، من الذين يتعللون ويتتبعون الزلات والعثرات.. وأملنا في عقول تنتصر على شهواتها وضعفها وعلى الأنانية في المكاسب والغايات وعلى التفرد والتصنم والتهور، وتنهض لمسؤولية جماعية لشعب ووطن..

والثائر الحر الناهض المؤمن بنبل رسالته وعدالة قضيته وواجبه الأخلاقي، يستدرك ويصوب ويبلغ ما يراه صوابا، فالإقدام في لحظات الالتباس ميزة الشجاع، والتصريحُ بالموقف في الأماكن المعتمة امتحانٌ للفارس الذي لا يرهبه التعثر ولا يستمرئ الالتباس ولا يغرق في المحاباة والمجاملات.. وإذا كان أصحاب الرأي والعقلاء لا يتخذون موقفا ولا يُبدون رأياً في لحظات الالتباس والمنعطفات، فما قيمة أنفاس أصحابها؟ فعبَر عن رأيك وسط الاحتدام، فلعلك تساعد حائراً، أو تقوّي قلبا مهزوزا، أو تضع لبِنة في صرح الحراك الشامخ، وتترك بصمة في هذا الحدث التاريخي الضخم، تصويبا وتسديدا وإنضاجا..

ومن يُقدم الفكرة على الإنسان المتعامل معها، يجعل صاحب الفكرة عبدا لفكرته وتكون لها السطوة والهيمنة، فيعيش أسيرا لها بدعوى الوفاء ولكنه التزمت والتعصب، فالفكرة إن لم تُهذب تطرفت وأغلقت عقل صاحبها...والأفكار مهما كانت يفسدها الإنسان بتفسيره وطريقة تعامله معها والعكوف عليها والوثوقية العالية بها..

فكم دُفن من رأي ومصالح راجحة ومكاسب ثمينة بسبب سطوة الجمهور الصاخب...وتجاربنا مليئة بالمآسي والفرص الضائعة.. والساكت عن صخب المندفعين وسطوة جمهورهم، خوفا منهم أو مجاملة لهم، مُقصَر في حق حراكه وثورته، بل يخدعهما.. وللأسف، كما نجد من لا يواجه الحكم والسلطة بالحق، فهناك من لا يستطيع مواجهة جمهوره وأنصاره المندفعين المتعصبين أو المغفلين، فبدلا من أن يصدروا عن رأيه أصبح هو يصدر عن رأيهم...

قراءة 102 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 28 أفريل 2021 18:09