السبت, 15 ماي 2021 21:04

موسم الرعب من الشعب الناهض مميز

كتب بواسطة : مراقب

هذه الجموع التي كان يقال عنها غثاء، وكانت صامتة مقهورة تابعة، مَسروقة ومَخونة أحيانا ومَغدورة أخرى، وتسوقها عقول أقل في مستوى وعيها من متوسط المجتمع، وأقل أمانة، وأقل شجاعة، وأقل ثقة، ولكنها تملك المال والسلطة، عهدت لها بذلك سفارة أجنبية، أو عهد لها التاريخ وصروف الزمان، أو ورثت رئيسا أو غيره. كانت تلك الشعوب متاعا يورث، ولكنها تغيرت اليوم وأصبحت "تريد" ونداؤها "الشعب يريد"، فالشعب يريد الحياة، ويريد المساواة، ويريد الديمقراطية، ويريد الكرامة، ويريد المحاسبة، ويريد الثروة، ويريد العزة، وهكذا تتابع الكلمات التي توحي أن الشعب انتقل إلى "منطقة الفعل" من "منطقة الشيء" الذي يباع ويشترى، ويُسرق ويُسجن ويُخدع ويُخان ويباع في نخاسة سياسية رديئة أو غبية بمقدار رداءة الحاكم وجبنه وضعفه.

خرجت السياسة والشأن العام من كونه عالما من المحرمات إلا للخاصة إلى كونه من "الواجبات العامة"، ومن كون السياسة سحرا يتداوله الكهنة إلى معارف متاحة، فالرجال والنساء متقاربون ويفهمون ويفعلون أسوياء أحرارا. نعم هناك من لم يزل يملك القرار والمال، ولكن هناك تحول مرعب للمستبد في "الثقافة الجديدة"، فكلما زادت ملكية القرار في اليد زاد خوف من يملك القرار وتعاظم هلعه من الذين تبين أخيرا أنهم بشر أسوياء، بل أذكى وأشرف وأنظف من حكامهم، وهنا وفد الأذكياء من الشعب لساحة التحدي للفساد الذي نخر البلدان، وهدم الأبدان، وأوهى الهمم والعقول.

وللأسف، بقي الأغبياء على سنتهم التي خلت في الغابرين، فلم نرهم حقا إلى اليوم بوضوح يسابقون إلى فهم المرحلة، فالذين سيطرت عليهم البلادة في الوعي ماضيا لا يتوقع عاقل أن يتفهموا مستقبلا، فالشعوب أرادت، وهي تريد، وسوف تريد، وهي تقول طريق الحق من هنا.. فالهلع الذي أصاب الطبقة المستبدة أصبح هوسا واضحا، ورعبا قاتلا، ويرون كل صيحة عليهم، ويستبد بهم الرعب ويصيبهم الهوس فيفتحون السجون للشعب الناهض..وكما كان يقول الأولون: "يحاولون أن يغطّوا عين الشمس بغربال".

ورسالة الأحرار الشرفاء للنظام المتهالك لا تغرق في رعبك من الشعب الناهض واستفزازهم وتحويل البلاد إلى سجن كبير، فتصنع قلقا واضطرابا لا يفيد أحدا، ولا تحاول تعمية الناس عن حقيقة البؤس والوهن السياسي، ولا تعالج خوفك بالمزيد من التخويف، فما عاد هذا يجدي مع جيل السلمية والعزيمة والصمود..

والسلطة الأمنية تستغل الطيبة والتسامح والمروءة الشعبية ورقي الأخلاق فتهين الكرماء لأنها تملك مالا وجاسوسا وسجنا وبندقية، ولكن الناس أصبحوا يفهمون أكثر، ويعرفون أكثر، وتحرروا بمقدار غير مسبوق، وتواصلوا وتفاعلوا، وسيكون لهم منارات للحرية لا تُطفأ، فنار العزة شبت، وكل وقود إطفاء يزيدها لهبا، ولن يكفي الرصيد لردم ركام الفساد، ولا لرشاوى الاستبداد، ولا لتكاليف السجون. وإذا كان الخوف سجن الروح، فإن المسجون يخاف قبل السجن، ولكن الخوف ينتقل بعد وصول السجين إلى سجانه، فيصبح السجان سجينا، فالسجّان يدخل السجن مع ضحاياه، ويلطخ سمعته بأنه مجرد سجّان عاجز، ولو كان معه حق أو حجة لما كان سلاحه كبت الناس..

والسجون والضرب والسحل عمل زعماء العصابات ممن توفر لهم مال ومرتزقة، فعندما تغلق الزنزانة يفتح باب الأمل للسجين، ويفتح باب البؤس الموعود والكرب للسجان، حتى تتحول أيام السجّان إلى ليل مظلم ويأس وشك وخوف، فيكره الناس ويخاف منهم، ويستولي عليه ظلام الرعب وعدم الثقة، وتتهاوى قدراته العقلية وذاكرته بسبب توتره المستمر، ويضطر في مواجهة النقد والمطالبة أن يكذب حتى لا يقول إلا الكذب..

قراءة 167 مرات آخر تعديل في السبت, 15 ماي 2021 22:29