طباعة هذه الصفحة
الأربعاء, 19 ماي 2021 22:40

ليس ثمة جمعة حاسمة...الصراع طويل وممتد مميز

كتب بواسطة :

"مقاطعة الانتخابات تخدم الاستبداد"، أكذوبة سياسة صدقها كثيرون على مدى العقود الماضية، علقت حركات وجماعات آمالا كبيرة على إصلاح النظام من الداخل، وسموه الإصلاح الوقائي، وهذا أكبر وهم عشعش في عقول هؤلاء في الأزمنة المتأخرة، فانصرفوا عن البحث والتفكير في الرشد السياسي...وأكبر وهم غيَب العقول أن النظام قد يتغير من الداخل، ويصحح نفسه بنفسه، وينزع عنه الخبث والرجس بتطهير داخلي، غير أن كل الذي يظهر من النظام أنه عملية تغيير من الداخل ليس إلا خداعا بصريا وتسويقا للزيف وإغراقا في الوهم ومسرحية عابرة أو تصفية حسابات بين أجنحة..

وللأسف، بقي الأغبياء والمفغلون والسذج على سنتهم التي خلت فلم نرهم حقا إلى اليوم يسابقون إلى فهم واستيعاب التحولات التي صاحبت الحراك الشعبي السلمي، فالذين سيطرت عليهم البلادة في الوعي لسنوات طوال وانحبسوا في تجربة الانخراط في مسار السلطة لم يتزحزحوا عنه ولا صبروا مع حركة التغيير الشعبية في الساحات والميادين وضاقت عقولهم، لا يتوقع منهم أن يتفهموا اليوم وربما حتى غدا، فلم يتبعوا المخلصين المحتجين في طريق الحق، فالشعوب أرادت، وهي تريد، وسوف تريد، وهي تقول طريق الحق من هنا، لكنهم انكبوا وتفلسفوا واحتجوا بكلام عجين بلا معنى واحتموا برصيد سياسي مأزوم..

اختارت الجموع المتفقة الشسارع بوعي وقناعة وصمود، والوعي العام تقدم كثيرا على الوعي المترهل داخل الطبقة السياسية التقليدية، فلا تغيير حقيقي من غير إسناد شعبي واسع، والسلطة لن تتغير بمحض إرادتها والإصلاح من الداخل سراب، وقد استوعبت حركة التغيير الشعبية السلمية هذا مبكرا، فما راهنت على مسار الرئاسيات وما بعده، ولا فوضت مجلسا عسكريا ولا أي جهة كانت، لم يكن ثمة إرادة سياسية في اتجاه التغيير، ولو في حدها الأدنى، ولو وُجدت لأظهر الحراك مرونة وتجاوبا، فلم يكن صلبا إلا في مواجهة العبث والتيه والتغلب والقهر والانقضاض على الحكم.

حتى وإن أخلوا الشوارع والساحات بقوة الحديد والنار، فلا يضر هذا الفكرة في شيء، وإنما تهذب ويبحث لها عن تطبيقات مناسبة من غير تنازل عن المبادئ والتصورات الكبرى، فلا انخراط في مسار السلطة الفعلية، ولن يقبل الحراك بأي فرض للأمر الواقع، وإنما هو التوافق والانتقال السياسي الهادئ للحكم، والوصول إلى صيغة سياسية لإدارة مرحلة انتقالية، فأين التصلب في هذا؟

لسنا في عجلة من أمرنا والصراع طويل وصعب ومتعرج، ولا يحسم الشارع الصراع لوحده، بل لا بد له من ظهير سياسي ثقوري وعقل جمعي بارع في إدارة الصراع، والاكتفاء بالشارع والمسيرات قلة نظر وسوء تقدير وقصور وإراحة للعقل من التفكير، فليس ثمة ثورة يُكتفى فيها بمسار واحد وأداة ضغط معرضة للاستنزاف والإرهاق، وإنما هو التنوع وهذا الذي نفتقده في حراكنا..السلطة الأمنية القمعية في معركة وجود مع حركة التغيير الشعبية، والحراك السلمي في معركة تغيير مع النظام وليس معركة وجود، فليس شرط استمرار الحراك زوال المتربص، وعلى هذا، فليس ثمة جمعة حاسمة، وليس ثمة قواطع وجوازم في منطق التغيير الشعبي، وإنما شارع واع سلمي يتحرك ويضغط لدفع السلطة للتغيير والانتقال السياسي للحكم...

منطق الضربة القاضية هذا لا يخدم حركة التغيير في شيء، ولا يُربط مصير الحراك بأي جمعة، كما ليس من الحكمة أن يُربط مصير حركة التغيير بجولة من جولات الحراك السلمي..نتحرك في حدود الممكن المتاح، ونقلل الأضرار ما أمكن، ونجتهد لتدبير الصراع بعقل جماعي وحكمة وذكاء، ونحافظ على الطاقة الثورية ما أمكن ولا نستنزفها باندفاع وتهور، المعركة اليوم: زخم وحشد وشارع وتدافع وعقل وبراعة في إدارة معركة التغيير السلمية الشعبية..

يمكننا التعبئة ونجتهد في الحشد، لكن على أن لا يتخلف العقل والذكاء عن الركب السائر، فالميدان بلا عقل وذكاء استنزاف، وعقل بلا إسناد شعبي وحركة ميدان، تفلسف وتجريد..فلا يتأخر أحدهما عن الآخر، وإلا وقعنا في التضخم والاضطراب..ومشكلة كثير من الحراكيين أنه استفرغ كل وسعه وطاقته في الجمع، ورأى فيها الخلاص ومعركة وجودية وهذا خطأ في التقدير لمن ربط مصير التغيير بالجمع ورأى في الحراك موجة واحدة والضربة الحاسمة، والأصل المحافظة على المخزون الثوري فليس ثمة جمعة حاسمة، وإنما الصراع طويل ممتد، وإذا كان خصمك يتربص بك ويقعد لك كل مرصد فخفف وتجنب المواجهة والتحدي المباشر، وفوت عليه الفرصة..

قراءة 312 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 19 ماي 2021 22:53