الأحد, 30 ماي 2021 13:01

منصة رابعة...لمن يعتبر مميز

كتب بواسطة :

البلتاجي وحسام أبو البخاري وصفوت حجازي من أسود ثورة يناير، فرج الله عنهم أجمعين، وثلة من الثوار الأحرار والعقول الفوارة من شرفاء مصر ومصلحيها وسعاة الخير فيها، يشرفون على إدارة اعتصام "رابعة"، ربما يجمع كثيرا منهم الإصرار وتحدي سلطة العسكر بقيادة فعلية لمدير المخابرات الحربية آنذاك، الجنرال السيسي..

البلتاجي سبق له وأن طرد قائد العسكر الفعلي "السيسي" من ميدان التحرير في الأسابيع الأولى من ثورة يناير..أبو البخاري مقرب من الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل ولم يطمئن، يوما، إلى المجلس العسكري، مثقف صارم ومحاور حصيف ومستوعب لحقيقة الصراع..البلتاجي من قيادات الإخوان المتمردة على شيوخ الجماعة وعواجيزها وصاحب علاقات ممتدة مع مختلف الأطياف السياسية ويحظى باحترام كبير في صفوف ثوار التحرير..لغة التحدي كانت هي المهيمنة على منصة رابعة، حدثني أحدهم قائلا: "معنا جناح في الحرس الجمهوري، أخي خالد، ولن يتخلوا عن الرئيس (مرسي) وشرعيته"، وكان ردي: "أرجوكم لا تغتروا بإيحاء هنا وإشارة هناك، ولا تبالغوا في تقدير الموقف، وليس من العقل والحكمة الاعتماد على أقاويل وأحاديث ومراسيل، ولتصنعوا موقفكم بمنأى عن المؤثرات والصوارف والأوهام.."..

بعدها حدثت مجزرة الحرس الجمهوري وأطلق جنود من الحرس الجمهوري النار على المتظاهرين قريبا منهم، فانهارت معنويات المنصة، واختلطت الأوراق، ماذا هم فاعلون؟ أين هي التأويلات و"قيل وقال"، حاول بعض العقلاء تدارك الوضع والتدخل لمحاولة تفكيك منصة رابعة قبل أن تقع الواقعة ويحصل ما لم يكن في الحسبان..أقبل أحدهم مسرعا: "وردنا من بعض الضباط الأحرار أن القيادة العسكرية قررت فض الاعتصام بالقوة ومهما كلفها الثمن"، كان اليمين الصهيوني في "إسرائيل" يرقب الوضع عن كثب وسارع إلى توفير غطاء سياسي للمذبحة والمحرقة القادمة، الليكود العربي المتصهين في الخليج تولى الدعم المالي والتحريض الدعائي، تعالت أصوات من داخل رابعة بتفكيك المنصة والعدول عن خيار الاستمرار في الاعتصام، كان النقاش محتدما، واصدم بصخرة العناد والانغلاق: "إن تراجعنا خطوة إلى الوراء سنخسر الثورة والقضية"، يرد عليه معترض: "لا ندري ما يُفعل بنا وبهذه الآلاف المعتصمة، والإحجام أولى من الإقدام، والمحافظة على المخزون الثوري مقدمة على المغامرة به"، صار ثالث: "لا تنازل، لا تراجع، وليكن ما يكون"، هنا برزت من بين الجموع عقول شابة حاولت رسم خط ثالث يقلل الأضرار والخسائر ويمنع حصول الأسوأ ويحافظ على قدر من الزخم الثوري: "لنفوت الفرصة على العسكر المتربص، ونفض اعتصامنا بتقديرنا وتدبيرنا قبل أن يُفرض عليها الفض بقوة، لنلتقط أنفاسنا ثم نرى رأينا فيما هو قادم"، لم تجد هذه الأصوات العاقلة المتزنة من يسمع لها إلا قلة غير مؤثرة..

وكان ما كان...فلعل فيها من يعتبر ويتعظ، وإن كان قياس مع الفارق، فإن تقدم العقل الانسياقي الانفعالي من دون مبالاة بالأضرار ولا بالنزيف الحاد داخل الكتلة الثوري الصلبة، ومخاطر الشحن المتبادل، فقد نخسر أكثر مما كنا نتوقع ويصعب علينا، حينها، تدبير الوضع لاستئناف جديد، وإن كانت الغلبة للعقول الراجحة من ذوي الشجاعة الفكرية السياسية والمسؤولية التاريخية فقد نفوت فرصة الانقضاض وتشديد الحصار، ونرتب أوراقنا مجددا ونستدرك ما يمكن استدراكه ونقدم العقلاء ونمنع الاستنزاف والإجهاد، ونفكر في إستراتيجية جديدة لا تنازل فيها عن الشارع، من غير الاعتماد عليه كلية، لكن بتدبير راشد وظهير سياسي..

الأفكار التي تنقل الحراك الشعبي السلمي إلى المستقبل لا يمكنها إلا أن تكون أفكارا جديدة ومتبصرة وشجاعة، وليس الانسياق والانغلاق، كما لا يحسن التقدير والتصرف إلا العقل الفوار المتجاوز الشجاع.. ولن يُجدي إغلاق المجتمع وقهر السلطة الأمنية له، وهذه الأيام العصيبة ستمر، كما مرت غيرها وكنا نظن ألا تمر، ولكن بأي عقل وتدبير ومنطق في إدارة الصراع، وهذا هو الأهم؟ الأولوية الآن لمنع الأسوأ والحفاظ على المخزون الثوري وتفويت الفرصة على المتربصين، فالحراك يواجه مسؤولية صنع مصيره وتقدير موقفه، وهنا الأصل أن يتقدم العقلاء من طينة الكبار من أهل الشجاعة الفكرية والسياسية، من أهل الصلابة في المبادئ والمرونة في إدارة الصراع، مرونة تستوعب الأفكار والظروف والتحولات..

وإنما أُصيبت التجارب وحركات التغيير والثورات وتضررت من سوء التدبير والمبالغة في التقدير، استخفافا وإيهاما وإغراقا، ويُضعف الموقف كثرة تحفظاته وغموضه فلابد من تبيان واستبصار وعمق وشجاعة فكرية وسياسية وإلا كان الانسياق والمداراة والمجاملة...

قراءة 150 مرات آخر تعديل في الأحد, 30 ماي 2021 13:08