السبت, 17 جويلية 2021 12:04

أغراه انقسام السلطة وتخبطها...المخزن المغربي يتجاوز الخطوط الحمراء في الصراع مميز

كتب بواسطة :

ربما لم يجد المخزن المغربي وقتا أنسب لابتزاز الجزائر وإرباكها والتصعيد في ملف الصحراء الغربية من الفترة الحالية، حيث الانقسام السلطوي وحملات الانتقام الأعمى والعجز والتخبط والتيه، وأغراه هذا بالتبجح والتطاول على الوحدة الترابية من دون أي اعتبار لأي خطوط حمراء في الصراع الحدودي الممتد، بل تجرأ السفير المغربي لدى الأمم المتحدة بلغة انفصالية تقسيمية، غير معهودة، وتحدث عما أسماه "شعب القبائل، أحد أقدم الشعوب في إفريقيا، والذي يعاني من أطول احتلال أجنبي. تقرير المصير ليس مبدأً مزاجيا. ولهذا السبب يستحق شعب القبائل الشجاع، أكثر من أي شعب آخر، التمتع الكامل بحق تقرير المصير"، هكذا بمنطق سافر استفزازي، يعلن دعمه لانفصال منطقة القبائل والعبث بوحدة البلد ويصطنع شعوبا وكيانات داخل البلد الواحد، وكأن في الجزائر هويات متقاتلة، وكأن هُوية البلد يُعاد اكتشافها اليوم، وكأنها أمر نختاره ولا يرجع إلى جماع التركيب الثقافي السائد في المجتمع..

والمخزن يدرك قبل غيره أن حركة الشعب الناهض السلمية موجهة نحو التغيير السياسي إنقاذا للدولة ومنعا من انهيارها، لكن أي تعد على الوحدة الترابية للبلد وهويته المتجانسة هو مساس بالشعب برمته، والقضية هنا أبعد ما تكون عن السلطة وإنما ترتبط أساسا بمصير الجزائر شعبا وتاريخا وتلاحما وتجانسا، فالمخزن المتصهين إنما يستهدف بهذا الشعب لا السلطة، ولا تختلف معاناة أشقائنا المغاربة مع تعسف المخزن وتسلطه عن معاناة الجزائريين ضحايا القهر السلطوي، ولم يكن الشعبان، يوما ما، طرفا في هذا الصراع الحدودي العبثي، وتبقى القضية بيد المغامرين يعبثون بها خدمة لمصالح ضيقة مرتبطة بـ"شرعية" المخزن والسلطة الفعلية عندنا، فصناعة "عدو" تصنع لهم الالتفاف والقفز على حقائق الوضع الداخلي وتكرس سياسة الأمر الواقع وتصادر الحقوق وتقطع الطريق على أي حركة تغيير.

والمخزن في تصعيده الأخير، مدعوم من دوائر صهيونية ويستثمر سياسيا وأمنيا في تطبيع القصر مع الكيان الصهيوني، ومنذ أيام تم التوقيع على اتفاقية مشاركة إلكترونية في المغرب من قبل رئيس الشبكة الإلكترونية الصهيونية، إيغال أونا (يمين)، ونظيره المغربي اللواء مصطفى الربيعي، ووزير الدفاع عبد اللطيف لودي، وتتحدث الاتفاقية عن التعاون في مجال الحرب الإلكترونية والدفاع...

وتشير المعلومات المُتداولة في الأوساط المهتمة بالعلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني إلى أن الكيان الصهيوني يرغب في اعتراف مغربي بالقدس عاصمة لإسرائيل مقابل الصحراء، ولم تعترف إسرائيل بمغربية الصحراء حتى الآن، ولكنها تقدم دعما هاما للمغرب في ملف الصحراء على المستوى الدولي، وخاصة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وقد شارك وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، من شهرين، في مؤتمر منظمة "إيباك" (أكبر لوبي يهودي مؤيد للكيان الصهيوني في الولايات المتحدة) لحشد الدعم في وجه أي تراجع لإدارة الرئيس الأمريكي الجديد "جو بايدن" عما أقدمت عليه إدارة سلفه "ترامب" من الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء. وقد كان المخزن المغربي يسعى مقابل استئناف علاقاته مع إسرائيل الحصول على الاعتراف الأمريكي، وهذا لثقل وزن واشنطن في مجلس الأمن، فالمخزن يتحرك ويستثمر في العلاقة مع الكيان الصهيوني للتقرب من الدوائر الأمريكية النافذة لتحصين موقفه في قضية الصحراء الغربية وفي صراعه الطويل مع السلطة في الجزائر، وتورط في علاقات خضوع واستسلام للكيان الصهيوني ليحقق مكاسب سياسية في الملف القديم المتجدد..

ضعف السلطة وتصدع الحكم وانكشاف النظام، حتى صار يتهم بعض رموزه الهاربين بتسريب وثائق سرية، وعقدة الشرعية التي تطارده كل هذه وغيره، أضعف الموقف الجزائري، وطمع فيه المسكونون بالأطماع التوسعية، وأغرى المحاور والقوى الإقليمية والعالمية بالتأثير والدخول على خط صراعات المنطقة، وكما في حالات كثيرة في المشرق وإفريقيا، فإن الهشاشة والانكشاف يعززان خيارات التدخل ويوسعان دائرة التأثير، ويتحول البلد بهذا إلى ساحة لصراع المحاور وتقاسم النفوذ، وهو ما نراه اليوم في سوريا وليبيا واليمن ومالي والساحل وإفريقيا الوسطى وغيرها، فحسابات المحاور المتنافسة تتضارب، تشتدَ أحيانا وتتصالح في أحيان الأخرى، لكن المتضرر والخاسر الأكبر هو البلد الهش منزوع الإرادة وفاقد التأثير، فالنظام عندما يشتد على شعبه ويضيق الخناق على الداخل لمواجهة لعنة الشرعية التي تطارده وقمع حركة التغيير الشعبية، للتغطية على عجزه وانقسامه وهشاشته، إنما يُغري الخارج والقوى المؤثرة بمزيد تدخل دعما لأطرافه مقابل التمكين والمصالح والنفوذ.

قراءة 121 مرات آخر تعديل في الإثنين, 19 جويلية 2021 11:00