الجمعة, 13 أوت 2021 05:37

أطفأ الله به نار الفتنة... صنيع الكبار مميز

كتب بواسطة :

أعرف عمه السياسي الحصيف المتزن خالد بن اسماعيل، عرفته في التسعينيات ناقدا بصيرا ومعارضا شرسا لحكم الجنرالات، تعرض لمضايقات صبر وتجلد ولم يبدل أو يغدر أو يجبن، وهاهو ابن أخيه اليوم، جمال بن اسماعيل، يقتل غدرا في جريمة بشعة اهتزت لها البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وانبعثت من مكان الجريمة شعارات عنصرية مقيتة تقطر حقدا وانتقاما، وظهر المشهد الدموي كما لو أنه اختير بعناية أو ركب بخبث لكنه توريطي، من اعتقال الشاب المغدور به بتهمة مضللة مخادعة "التورط في حرب الغابات"، ولا يُعلم عن تلفيقها، ولم يُعتقل أصلا، وإذا اعتقلته لأنه مشبوه، لم يقتادوه في طريقة استعراضية وكيف يظهروه ولم يحققوا معه، إلى تسليمه أو انتزاعه من رعاع أوباش منبوذين والمنطقة منهم براء، إلى تصويره والاستمتاع بالعرض، صوتا وصورة، إلى القتلة الشنيعة البشعة التي قتلوه بها غير بعيد عن أنظار السلطات الأمنية في بلدة الأربعاء نايث ايراثن في أعالي جبال تيزي وزو المنكوبة بالحرائق.

أسوأ آثار الاستبداد على صنف من الناس هو قتل حاستهم الأخلاقية، لذلك تجد في بعضهم أصنافا من البشر المشوهين نفسيا وأخلاقيا، وبعض من ينشأ في مهد الاستبداد ويُساس بالظلم والاضطهاد تفسد أخلاقه وتذل نفسه، وإذا طال أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة حتى تكون كالغرائز الفطرية والطبائع الخلقية..والاستبداد يسرق الوعي ويقتل الضمير وينفخ في العصبيات ويحيي النعرات، والعنصرية انحطاط أخلاقي واستغلال تسلطي، والبحث عن الحل الديمقراطي ليس تشوقا للفظ، ولا تعلقا بشعار، ولا اتباعا لغالب ولا حنينا إلى تاريخ، بل هو البحث عن العدل والمشاركة في المسؤولية، والخلاص من تحكم الفرد في الرقاب والمصائر والثروات، إنه البحث عمّا يُشعر الإنسان بالعدل والمساواة والكرامة الإنسانية، وهذا ما يحاربونه ويصنعون الحروب وينفخون في عصبيات ودعاوى الجاهلية ليذهبوا بالمال والثروة ويستأثروا بالحكم، ولا أمل في أي عدالة تحت حكم القهر والجهالة والانتقام، والحرية هي أول شرط لوجود العدالة، وحيث لا حرية فلا عدالة. وأصل الفتنة وجذرها هو الاستبداد، والسبب المفضي إليها. إنه حرب أهلية مؤجَّلة، وبركان كامن مشحون بالأحقاد والانتقام..

وهذه الملايين التي كان يقال عنها غثاء، وكانت صامتة مقهورة تابعة، مَسروقة ومَخونة أحيانا ومَغدورة أخرى، وتسوقها عقول أقل في مستوى وعيها من متوسط المجتمع، وأقل أمانة، وأقل شجاعة، وأقل ثقة، ولكنها تملك المال والسلطة، كانت متاعا يورث، ولكنها تغيرت اليوم وأصبحت "تريد" ونداؤها "الشعب يريد"، فالشعب يريد الحياة، ويريد المساواة، ويريد الديمقراطية، ويريد الكرامة، ويريد الثروة، ويريد العزة، وهكذا انتقل الشعب الناهض إلى "منطقة الفعل" من "منطقة الشيء" الذي يباع ويشترى، ويُسرق ويُسجن ويُخدع ويُخان ويباع في نخاسة سياسية رديئة أو غبية بمقدار رداءة الحاكم وجبنه وضعفه، ويُراد الآن كسر هذا الوعي والإدراك وتشويهه ودحره وإغراقه في أزمات مفتعلة وتسليط المرضى نفسيا وصرعي التفوق العرقي لإشعال الفتن والنفخ في المنطقية والعصبيات والعنصريات.وأدرك الشعب الناهض المُحارب الآن أنه ما لم يُحكم بحكم مدني منتخب فسيبقون في ظلمات التبعية والنفاق والاستبداد...

وهناك تحول مرعب للمستبد في "الثقافة الشعبية الجديدة"، فكلما زادت ملكية القرار في اليد زاد خوف من يملك القرار وتعاظم هلعه من الذين تبين أخيرا أنهم بشر أسوياء، بل أذكى وأشرف وأنظف من حكامهم، فالهلع الذي أصاب الطبقة المستبدة أصبح هوسا واضحا، ورعبا قاتلا، ويرون كل صيحة عليهم..

أما ولي الدم أب الضحية "جمال"، فكان ملهما بديعا حصيفا، أجرى الله على لسانه الحكمة والروية، وذكرنا موقفه بصنيع الحسن بن علي في عام الجماعة عندما تنازل للحكم إلى معاوية درءا لمزيد فتن ومنعا لإشعال حروب داخلية ووقاية من شرور لا يمكن السيطرة عليها، فكانت حكمة الحسن موقفا تاريخيا بطوليا ارتفع فيه سبط النبي عن غواية السلطة وهو أهل لها وأحق، وحقن بها دماء ولو إلى حين...

صنيع والد الشاب المغدور به "جمال" سيخلده التاريخ وتتوارثه الأجيال تباعا ولن يمحوه مكر السلطة بالليل والنهار..إنه عمل الكبار من أهل المجد والنبل والمروءة، عصم الله به اندفاعا أهوج وأغلق به باب شرور وفتن، فعلا وحقا كان مفتاحا للخير مغلاقا للشر، فهنيئا له الرفعة والسمو والمجد، وبارك الله في قوله وعمله..والمسارعة لاحتواء الموقف وامتصاص الغضب ومنع انتشار العدوى والثأر من الأشياخ والمصلحين وسعاة الخير علامة صحة ودليل يقظة ونهوض هذا المجتمع الحي، وهذا الأصل في المصلحين إطفاء نيران الظلم والاستبداد وصدَ حروب السلطة الثهرية المفتعلة وقطع الطريق على دعاة العنصرية والعصبية الجاهلية وضحاياها...والأولية والأهمية القصوى للمثقف أن يقف ضد طغيان الحكم وطغيان العنصريات والعصبيات، وهوى الحاكم والمحكوم، فهو ناقد ومراقب، ويستمد شرعيته ودوره الأهم من الرقابة والتوجيه والترشيد ومقاومة الطغيان من أيَ كان..

قراءة 334 مرات آخر تعديل في الجمعة, 13 أوت 2021 05:46