السبت, 28 أوت 2021 15:33

بين عقل القرية وعقل الدولة مميز

كتب بواسطة :

العقل القرويّ صغير وينتقم انتقاما صغيرا لأشياء صغيرة، يفكر بعقل الدائرة الضيقة، يجيد الكيد ولا يجيد الإستراتيجية. والمجموعات المقهورة بهذا العقل لا تملك ولا تنفذ ولا تخطط لإستراتيجية لأنها تعاني من أثر العقل الضيق المحدود. العقل الضيق يعاند ويكابر جدا، ولكنه يستسلم للأوهام ويخضع للتوجيه والوصاية، فهو ضيق الأفق ومحدود الوعي، والعقل القروي يعاند ويكابر جدا، ولكنه يستسلم للخارج ويتعالى على الداخل.وليس هناك من مستبد يقبل سماع حقيقة أن الدكتاتورية ورأي الحكم المتفرد بالسلطة هو ما أوصلنا لما نحن فيه من حال سيء ومستقبل مخيف..

كل شيء يحيط بنا يتقدم ويتطور فيما عدا العقل الصغير الضيق الذي يسيّر حياتنا ويتحكم في مستقبلنا، كأننا في قرية وليس دولة، وحتى لا نظلم القرى، فإنها كانت أسعد حالا من مدن حكوماتنا وأنظمتنا..كانوا محبوسين في مكان ضيق فوجدوا أنفسهم يحكمون شعبا، الهيلمان تغير، ولكن العقل لم يتغير، واستمرت عقلية الحكم التي لا تثق إلا بسكان قريته ومكانه الضيق الذي تقلد فيه الرتب...

فالقرار يتم على عشاء بين الأقارب، كما لو كانوا في القرية، مع اعتذاري للقرية وأصولها وتقاليدها، لكن المناقشة هي هي والنتائج نفسها. ولم يحدث أن أدارت بلدان الاستبداد مناقشة جادّة لمصيرها، لا سرية ولا مفتوحة، كما يناقش العدو الصهيوني قضاياه في مؤتمر هرتزيليا، ولا يُطمح مع عقلية القرية أن يحدث نقاش نافع عام بأي صيغة كما يتم في العالم الناجح...

قرروا قطع العلاقات لحسابات لا علاقة لها لا بإستراتيجية ولا بمخاطر، في غرف مغلقة، فلنقاطع ونادوا الناس أن قاطعنا، وقرأ وزيرهم المُملى عليه بيان المقاطعة ورُفعت الجلسة، وكأن قرية قاطعت جارتها في لحظة توتر، وقرأ شيخ القرية على مستمعيه الإعلان وانفض المجلس، وجندوا سكان قريتهم لقرارهم، ويحذرون أطفالهم من مشاركة القرية الجارة "العدو" لأنهم قد يضمرون لنا عداء!! ذلك أن عقل القرية صغير ومستبد يدمر ما حوله لينجو بنفسه أو بأقاربه، وهكذا وهو يحكم يستخدم عقلا قرويا صغيرا في مسار تخلفي طويل يهيمن على المصائر في بلدنا المُثخن بالمآسي والجراح..

مأساة العقل القروي ودكتاتوريته، أنه يمنع نفسه من التطور والتبصر ويحول دون تطوره بنفسه، ويمنع مجتمعه من صياغة أي حل للمآسي التي يصنعها، ولا يقدر على التراجع عن أخطائه، لأن الضعيف يتخذ قرارا ضعيفا، ويتورط فيه ولا يملك الشجاعة للخلاص منه..فعقل القرية صغير، وليس لديه تأسيس ولا مؤسسات ولا يسمح بالأفكار المنقذة أن تتدخل، ومع ذلك فهذا العقل الضيق يتربص ويستعد للغدر بالناصحين والمصلحين لأنهم أحرجوه يوما ما، وشرحوا له ولعموم الشعب سوء حاله...

قراءة 129 مرات