السبت, 18 سبتمبر 2021 06:30

الفرح بالهروب من الوطن!! مميز

كتب بواسطة :

تفاجأت وأنا أرى شبابا بعد صلاة الصبح في قرية ساحلية صغيرة شرق العاصمة، يحتفلون بالمفرقعات والأهازيج و"الفيميجان" في ساعة مبكرة من فجر اليوم، سألت صديقي المهندس المعماري ابن القرية: ما سبب كل هذا الفرح والاحتفال في هذه الساعة المبكرة؟ فأجابني مبتسما: "الشباب يحتفلون بوصول أصدقائهم الحراقة إلى الشواطئ الإسبانية، فبعض الشباب غادروا هذه الليلة القرية واتصلوا بنا هاتفيا وأخبرونا بوصولهم سالمين".... صُدمت وأنا أستمع لصديقي وهو يحدثني عن قصص قوارب الهجرة السرية التي تنطلق باستمرار من شاطئ القرية وما أدهشني وأحزنني أكثر احتفال الأهالي وفرحة الأصدقاء بوصول قوارب الحراقة إلى أوروبا....

وهكذا، تُقام الأفراح ويتبادلون التهاني عند فراق الوطن ومغادرة البلاد، وأسمى أمانيَهم أن يتخلصوا من "كابوس" اسمه الوطن، ابتذله حكامه وحولوه إلى مزرعة خاصة ودمروا الحياة خارجها. والفرحة.. تكاد تُنسي الناس ماذا تعني الغربة إذا طالت، وماذا يعني أن تكون بلا وطن.. النزيف الشبابي مستمر، والأوضاع المعيشية تزداد سوءا بلا أفق، والسلطة تتفرج غير آبهة بالعواقب ولا بالنزيف، فالخطط فارغة، والوعود سراب، والسلطة محبوسة في مربع أمني لا تكاد تغادره.. هؤلاء هم أبناؤنا وفلذات أكبادنا هاربون، ومهاجرون، وفارون، يتحدون الموت عبر سلوك كل طرق الموت للخلاص من "ظلمات الانحطاط"، فقد يُحرم فيه حتى من حق الحياة..

ما يحدث هو أكبر من حجم الكارثة..لقد صبر الشعب على الفشل والفساد والقهر، فحين غضت به الشوارع والساحات والميادين مُطالبا بالحرية والكرامة، قرر النظام تغيير المعادلة: لا حياة مع الكرامة، فهرب الشباب من الوطن الذي لا يعرف معنى للمواطنة، وقطعوا المسافات بحثا عن المواطنة، إذ لا وطن ولا وطنية من دون مواطنة، ولسان حالهم يقول ليس في "الوطن" ما يستحق البقاء فيه، إذ ثمن البقاء هو الموت البطيء.. هكذا وصلنا مع الوطن، أو هكذا أوصلنا المسيطرون على الوطن!

وما الهجرة السرية في قوارب الموت إلا دليل يأس واستسلام وخروج من مسؤولية لم يعد قادراً على مواجهتها فيستسلم لموت في البحار أو للغربة، وما كان ينبغي له، فليست الهجرة السرية خلاصا ولا مُنقذا، وإنما هي هروب نحو المجهول، لا تنتج وعيا بالمشكلة ولا إنهاء لها. وحين يهاجر ويصل إلى الضفة الأخرى يُوجه اللوم إليه دائما في الغرب، أحسن أم أساء فعليه أن يعتذر لكل سلوك قريب منه، صادر عنه، أو متوهماً أنه صدر عنه، أو قام به أحد يعود أصله إليه أو فكره أو موقفه، ويبقى شاعرا بعقد نقص وتبعية ويجب أن يكون كذلك في نظر ساسة الضفة الغربية، والتحيز الأعمى فاضح لسلوك الإنسان في كل مكان، وعلى المنتصر، أو الذي تعود أن ينتصر، أن يعلن دائماً بأن أعماله وعنصرياته وتحيزاته أخلاقية وتقدمية وعالمية ومبررة ضد "المهاجر المستضعف".

قراءة 544 مرات آخر تعديل في السبت, 18 سبتمبر 2021 06:36