الثلاثاء, 19 أكتوير 2021 11:17

ضمير الدولة ودولة الضمير مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يفزع كثير من الناس في فترات الأزمات التي تتخبّط فيها الدول إلى الضرب على وتر استعادة الشعب إلى الإسهام في تقرير مستقبل الدولة، مما يدلّ على أنّ الشعب هو ضمير الدولة، وللدولة ضمير بقدر ما تملك حقا وصدقًا من سند شعبي، فإن كانت اختياراتها مبنية على عُشُرِ الشعب فهي تعيش بعشر ضمير على الأقل، وإن كانت مبنية على عشرين منه، فهي تعيش بالنسبة نفسها من الضمير، وينمو مستقبل الدولة بقدر نمو ضميرها، أي بقدر استعادتها للشعب في قيام الدولة واستمرارها. إنّ الشعب هو ضمير الدولة وحارسها من الانحراف عن جادة المبادئ الجامعة التي تمثّل الحد الأدنى من الوفاق الوطني وأساسه الذي به استمرار الدولة والطمع في رقيّها، لهذا فدولة الضمير هي الدولة التي يؤسسها الشعب ويحرسها ويحميها وينميها، ويبذل منتهى قواه المعنوية والمادية لأجل الوفاء بالمهام المشار إليها.

بحّت أصوات الوطنيين وهي تؤكّد أنّ ضمان الاستقرار والتنمية يتم بقاعدة حكم واسعة مبناها إقصاء الإقصاء ونفي النفي، وتؤكّد في الوقت نفسه أنّ قدرنا هو النضال السلمي مع كلّ الأطياف الفكرية والسياسية بشخصياتها النزيهة التي صقلتها الأيام وكوّنت مواهبها النضالات المتراكمة.

أثبتت الأيام صدق اختيارات الوطنيين، وصحة تخوّفاتهم، وصدق توقّعاتهم، وأكّدت الأيام أنّ تحليلاتهم كانت صائبة، بدءًا من أزمة السياسية التي اختزلت في أزمة قانونية، عوض حلّها بأساليب سياسية وبأدوات سياسية وبإسهام الفرقاء السياسيين، وتجديد الخطاب السياسي للقوى الحزبية الموجودة واهتبال الفرصة لتأسيس قوى سياسية ناشئة بسند شعبي. أقول عوض التفكير السياسي في المسألة السياسية، جاء التفكير الإداري في المسألة السياسية ليزيدها تعقيدا، فقدّمت الإدارة حلولا تأزيمية للأزمة السياسية، فكانت وبالا على السياسة والإدارة في الوقت نفسه.

ثم جاءت مسألة الدستور وما بُنِيَ عليه من اختيارات كانت وستبقى سببا في تأزيم الحياة السياسة عوض تقديم حلول لها، فبداية الأزمة الدستورية كانت بعدم وجود تفكير دستوري في وضع الدستور نفسه، إذ مسلك التفكير في الدستور الذي يوضع في وضع الأزمات ينبغي أن يكون ضامنا لعدّم تغلّب جهة على جهة أخرى كانت خصما قبل وضع الدستور، بل ينبغي أن يكون مانعا من تغوّل أية سلطة على سلطة، وخاصة السلطة التنفيذية. جاءت الانتخابات المحلية فيصرّح أحد المسؤولين التنفيذيين بأنّ أحسن ردٍّ على ماكرون هو التجنّد بالمشاركة في هذه الانتخابات، وهو بهذا يتقاطع مع خطاب الوطنيين الصادقين في فكرة أنّ الجمهورية لا يبنيها إلا الجمهور العريض، وهو أساس الحكم في كلّ الأوضاع وجميع الأحوال وليس في وضع الأزمات فحسب.

وكلّ ما سبقت الإشارة إليه يؤكّد صحّة تحليل النخبة الصادقة في قولهم بأنّ: "دفع الخطر الخارجي والداخلي لا يكون إلا بقاعدة شعبية واسعة"، تنتخب بشفافية وتصل في وضح النهار إلى السلطة، ولا يتأتى ذلك بغير دستور ينشأ عن مشاركة واسعة في مقدماته المنشئة (اللجنة) وتحديد قواعده العامة الضامنة للحدّ الأدنى من المشترك القيمي والسياسي بين مكوّنات المجتمع، فضلا عن الإسهام الصريح في صياغته وفق آليات شفافة يختار بموجبها الشعب من يعبّر عن إرادته، ثم الذهاب وفق هذه القواعد إلى انتخابات متعدّدة مسبقة، هذا ما كان منتظرا في بداية الحراك وأثناءه وهو ما يؤكّده باستمرار بسلميته ووضوح أهدافه (العودة الحقيقية للشعب). وما أظن أنّ الحراك مال عن السلمية اختيارا إستراتيجيا، وما نسي مطالبه الرئيسية استئصال الاستبداد ومنع تدوير الفساد، ولكن السلطة آثرت طريقا آخر غير ما اختاره السواد الأعظم من الشعب الذي عبّر عن إرادته في تكوين سلطة بأساس شعبي واسع، من خلال عدم التفاعل مع اختيارات السلطة في كلّ المحطات الانتخابية (المشاركة المحتشمة).

نحن جميعا مدعوون إلى استدراك الورطات التي وضعت السلطة نفسها فيها، ووضعت فيها الشعب، انتهت إلى تأسيس سلطة على قاعدة شعبية ضعيفة جدا، ابتعدت فيه عن تلبية المطالب الحقيقية للحراك، واشتغلت بحراك ضرار لا يغني عن الحراك الحقيقي، ولا يحلّ الأزمات السياسية والاقتصادية بل يلوّث الواقع السياسي والاقتصادي ويؤزّمهما. وشعورا منّا بالمسؤولية في ظل الظروف السياسية المعقّدة محليا وجهويا ودوليا، وفي ظل التحرّش الاستعماري الفرنسي الغاشم، وتسلل الإسرائيليين إلى حدودنا الغربية، والوضع الذي تهيمن عليه ثقافة الحشد الشعبي في الجوار الشرقي، وذَكَى كلّ ذلك قوارب الموت (الحرّاقة) التي تخطف منّا كلّ يوم شبابا -في مقتبل العمر- وكهولا رجالا ونساء كنّا نطمح أن يكونوا سواعد لبناء الوطن، فإنّنا ننادي بالاجتماع الوطني على دفع هذه المخاطر، ولكن الاجتماع الوطني لا يُحَقَقُ بغير مسالك يُظَنُ أنّها مبلغتنا مرادنا الوطني "وحدة وطنية في مواجه المخاطر الداخلية والخارجية".

وهذا لا يتمّ بغير استدراك الورطات التي أنتجتها الاختيارات غير الموفّقة للسلطة، أوّلها الانفتاح الإعلامي على الرأي المخالف، فتكون التلفزة العمومية منبرا عموميا بحق وصدق، تنقل آراء كلّ القوى الوطنية النزيهة، وتوفير جوّ من الحريات يؤسس في كنفه قوى سياسية ناشئة، يكون موكول بها وضع اللبنات الأولى لخطاب سياسي جديد يضمن الحد الأدنى من التوافق السياسي الوطني، وبها تتعدّد قلاع المرابطة السياسية، نذهب بعدها إلى انتخابات برلمانية ورئاسية مسبقة، تضمن ديناميكية تضمن مع الوقت استعادة دولة الضمير باستعادة الشعب إلى الحضور السياسي إنشاء ومزاولة ونقدا وتمحيصا و..، أي استعادة الدولة الضمير (الشعب)، فنؤسس دولة الضمير بضمير الحاضر والمتكلّم والمخاطب، وبهذا تستبعد الضمير الغائب، لأنّ الضمير الغائب لا يؤسس إلاّ دولة غائبة الضمير.

قراءة 122 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 19 أكتوير 2021 11:55