السبت, 30 أكتوير 2021 08:22

نوفمبر جامع وليس مشتتا مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

جعل الله الفاتح من نوفمبر 1954م (الموافق 05 من ربيع الأول 1374ه) يوما من أيام الله الخالدة، كانت هذه الثورة المجيدة مرحلة فارزة في تاريخ الجزائر، بثّ الله في الضمير الجمعي اليقين بالانتصار على الاستدمار الفرنسي الغاشم، فامتلأت قلوب  أفراد شعبنا الأبيّ بالثقة  بقدراتهم واستعداداتهم ففعّلوها، بعد الثقة بنصر الله، فكانت الوحدة وسيلتهم واجتماع الكلمة سلاحهم، وكان بيان الثورة شاهد اجتماع واتّفاق أغلبي، والبذل في شعاب الحياة أكبر شاهد على هذا الاجتماع والإجماع.

تضمّن البيان ألفاظا (مصطلحات) سياسية مفتاحية، تمثّل صمام أمان إذا ما فُعِّلَت كما هي من غير تلاعب، يستدعي شبيهاتها، ويستبعد دلالاتها الأصلية والأصيلة التي ضحى لأجلها الشعب الجزائري بمختلف طبقاته الاجتماعية، ضحى لأجلها بالنفس والنفيس، اجتمعت التضحيات من كلّ الرحاب الفكرية والتوجّهات السياسية التي كانت قبل الثورة المباركة، فقيّض الله اجتماع الجميع على كلمة واحدة، كانت أرضية أساسية للتنادي لأجل قيام" الجمهورية"، وكما هو بيّن من المصطلح نفسه، أنّها لا تكون بغير كلّ الجمهور، وكلّ محاولة لاختطافها من الجمهور لصالح بعضه، أو باستعمالها لتكون لصالح بعض دون بعض، خروج عن الدلالة الصريحة لهذا المصطلح، كأن يكون الجمهور العريض في خدمة قلّة قليلة، لأنّها بهذا تكون استقرارا لأقلية على ظهور الأغلبية، وهذا معناه خيانة  أمانة الشهداء في مسميات النظام السياسي التي تعلّقت به همم الوطنيين (الجمهورية). 

ولكي لا تسري المغامرات السياسية غير المحمودة إلى أوصال الوطن، وخاصة الاستبداد "الجمهوري" قيّد البيان بأنّها جمهورية ديمقراطية، أي قائمة على إرادة الشعب السيّدة، ولهذا فكلّ تحايل على تغييب الإرادة الشعبية عن التعبير عن نفسها بشفافية تضمن وصول تلك الإرادة إلى الحكم، ووضع نظام سياسي ترضاه، يعدّ ميلاً ظاهرا عن السمة الثانية (الجمهورية الديمقراطية).

ومنعا من أن تكون جمهورية ديمقراطية معادية للهويّة الجماعية للشعب، حدّدت بضمان آخر يُعَدُّ مركزيا، وهو نص البيان" في إطار القيّم الإسلامية"، لهذا كلّ محاولات الخروج عن هذا المعيار، يعدّ انصرافا عن البيان ومتطلبّاته، مجرّد الخروج عنه يعدّ ميلا، أما محاربة الهوية والقيم الجامعية فهو محاربة للبيان المؤسس للجمهورية الجزائرية، وهو منع واقعي من تجسيد إرادة الشعب الجزائري، وميل ظاهر عن أمانة الشهداء.

كان هذا البيان وسيبقى جامعا للجزائريين، يمثّل الحدّ الأدنى من التوافق السياسي الفعّال، كما يمثّل أرضية أساسية للنضال الجماعي لأجل نضال سياسي كلي شامل لاستعادة المبادرة الوطنية الباعثة على استعادة مُراد الشهداء إلى الواجهة السياسية، من هنا كان الخطاب النوفمبري جامعا، مقتصدا في التوتّرات، جامعا لشتات كلّ المبادرات الوطنية الباعثة على استثمار اللحظة الراهنة لعودة قصد الشهداء إلى الواجهة السياسية، مبنى هذه الإرادة النوفمبرية على الاجتماع لا الافتراق، تجتمع فيه كلّ القوى الوطنية بمختلف مشاربها لأجل ديناميكية سياسية فعّالة، تستعيد المبادرة الوطنية الجامعة. وهذه المقاصد النبيلة هي ما رمى ويرمي إليه الحراك عبر مختلف محطّاته النضالية، وبهذا الصدد نؤكّد أنّه لا تحقيق للجمهورية بغير كلّ الجمهور، وبوسيلة الديمقراطية أي بالإرادة الحرّة السيّدة المعبّر عنها من خلال قوى سياسية حقيقية (وليست نسخا مضروبة أو تعيش بالمنشّطات السياسية والمالية) قديمة أو ناشئة، قوى لا تعارض قيم الشعب فضلا عن أن تكون محاربة له.

هذه اللحظات الفارزة في تاريخنا تستدعي ثقافة الدولة ودولة الثقافة التي تستثمر هذه المحطّة لحلحلة سياسية حقيقية، تسير بالوطن نحو قاعدة واسعة للحكم، وقاعدة أوسع من النضالات الجماعية لأجل وطن مستقر آمن بالجميع وللجميع، من هنا من العار الأخلاقي والضعف السياسي والخرف العمري للدول أو الأشخاص أن لا نقدّر متطلبات هذه المحطّة التاريخية، ومن قلّة الوعي بمخاطر اللحظة الراهنة -مع التكالب الفرنسي، والخطر الإسرائيلي غربنا، والحشد الشعبي شرقنا- أن تكون محطّة نوفمبر وسيلة لتشتيت التركيز، وإشغال المجتمع بالتاريخ عن الواقع، وإشغالهم عن الحاضر بالماضي، وإشغالهم عن استعادة الاهتمام بتوسيع قاعدة الحكم لأجل دفع المخاطر الواقعة والمتوقّعة، نشغلهم بتصريحات تزيد التوتّرات وتضعف التركيز على إصلاح أوضاع الوطن وتضعف اللحمة الوطنية، يتعيّن أن يحوّل أصحابها إلى التقاعد أو النفي من الضمير الشعبي، وتكفي هذه التصريحات لتدفع صاحبها إلى مغادرة الحياة السياسية إلى غير رجعة.

نوفمبر للجَمْعِ والاجتماع، ومن أراد استعماله للتفريق، فلا يصلح للسياسية لا اليوم ولا غدا، لأنّنا نريد أن نقتفي خطا شهدائنا ونهتم بالجزائر لا بالكراسي، لأنّ المهتمّ بها  تميل به يسارا ويمينا، بل تميل به عن الوطن وعن أمانة الشهداء.

قراءة 82 مرات آخر تعديل في السبت, 30 أكتوير 2021 08:31