الجمعة, 26 نوفمبر 2021 09:32

بين المُمكن والمستحيل في التدبير السياسي مميز

كتب بواسطة :

إذا تعين الأمر لم يبق للاختيار اعتبار، هذه لغة الأصوليين والمناطقة وتصلح في السياسة، وكم من قاعدة وحكمة نطق بها الغزالي أو الجويني وفقهاء السياسة الشرعية تصلح للاهتداء والاستنارة والدلالة على الطريق..

ليس أمامنا، اليوم، إلا أن نبحث عن أرضية سياسية جديدة، ضاقت الممكنات واتسعت المستحيلات، وإنما يكون للاختيار أثر إذا تقابل مُمكنان، ولم يكن أحدهما أولى من الثاني، ولم يتأتَ الجمع بينهما، ولا يمكننا الجمع بين الانخراط في مسار السلطة والتغيير الحقيقي المتدرج، أما المُزيف والمُتخيل والمُتوهم فهذا مريدوه كثر وقد تفننوا في تسويغ الفشل والانبطاح، وأغوتهم السلطة وأصبحوا جزءا من منظومة الحكم، لعبت بعقولهم وأسكرتهم بالأحابيل.

وعلى هذا، فالموازنة في وقتنا تنحصر بين ممكن هو الاستعداد لما هو قادم، تنظيما وتفكيرا وترتيبا، ومستحيل وهو تسليم النظام السلطة للشعب، هذا لن يكون بحكم الأمر الواقع، ولغة الأمانيَ والرجاء والانتظار والترقب لن تغير من الواقع شيء، والواجب شيء والممكن شيء، والعاقل الحكيم من يجمع بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والممكن، فلكل زمان حكم...

فالممكن اليوم يضيق أمام طغيان السلطة الفعلية وغطرستها وتضخم حكم الفرد ومزاجه ونزواته وخياراته الكارثية..ما العمل؟ أن لا نتوقف عن التفكير في ما يمكن فعله، وهو درجات ومساحات، وكونك على الحق وكون خصمك وجلادك على الباطل لا يجعل من النصر ضربة لازم، بل دونه عمل ونضال ونضج وإبداع وتجديد وتطوير القدرات والقابليات وبحث عن الممكنات.لن ننخرط في مسار السلطة الفعلية الحاليَ، فهذا لا جدوى منه ونكوص عن خيار التغيير الحقيقي وانقلاب على إرادة الجماهير، لأن الذي يحدث اليوم هو تفتيت لجهاز الدولة وهدم له وتمريغ أنف المنطق والتدبير السياسي في الأوحال.

وماذا يمكننا فعله، إذن؟ بناء القوة السياسية الضاغطة الممتدة شعبيا، والتحضير لما هو آت، وكل آت قريب المدى. ليس شرط الاستعداد التوافق بين قوى التغيير الحقيقي والانصهار في مجموعة واحدة متجانسة، فهذا حاولنا صنعه وتعثرنا، لأسباب ليس هذا مقام بسطها، وإذا تعذر الواجب انتقلنا إلى ما هو أقل منه، ولا ضير في تعدد الواجهات أو التشكيلات السياسية، ولا نحتاج في هذا لاعتراف ولا اعتماد، المهم التكتل في مجموعات مستقلة تدبيرا وإدارة للصراع، ثم إنضاج التصور والرؤية وأدوات الضغط، استنادا لامتداد شعبي واسع، ثم التحالف الواسع في خطوة قادمة، لكن الممنوع والمحظور هو الانسحاب والتواري وطلب العافية وإراحة العقل من التفكير، ومهما سدوا المنافذ وأغلقوا الأبواب، فلن يستطيعوا غلق عقولنا ومنعنا من التفكير وتداول الرأي والتحضير لما هو قادم، والأمر إذا ضاق اتسع.

قراءة 173 مرات آخر تعديل في الجمعة, 26 نوفمبر 2021 09:47