الإثنين, 20 ديسمبر 2021 08:59

من الفوز الوقتي إلى الفوز الدائم مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

جميل أن يفرح الجمهور العريض من المهتمين بالفرح الوقتي في الرياضة، ولا سيَما كرة القدم، يبلغ هذا الفرح ذروته خلال الساعة وثلاثة أرباع الساعة (نصف الساعة المباراة وربع الساعة لما بين الشوطين)، ثم يبدأ بالتلاشي التدريجي وفق خصائص الحدث الرياضي نفسه، إذ تحويل هذا النجاح الوقتي إلى دائم في هذا الصنف من العمل، يفرض مواكبة التطوّر الحاصل في الفرق المنافسة رياضيا، وهذا عمل منهجي وخطط علمية تتجاوز التخطيط السنوي إلى التخطيط على المدى المتوسّط والطويل.

ولا يتمّ هذا التخطيط بغير اختيار الكفاءات التي تضع التصوّرات والخطط، والتي تملك من المعرفة والقدرة على تنفيذها ما يكون مظنة تحقيق النتائج، وتَوَفُّرُ هذا الشرط، ليس ضامنا لتحقيق الهدف ما لم تجد من الجزائريين -الحريصين على انتمائهم- من يقوى على حمل المشروع في الميدان، وكل هؤلاء محاطون بأطقم فنية وطبية وإدارية ونفسية وإعلامية و...

تتّجه إراداتهم جميعا -في إطار إرادة جمعية تعبّر عنها الشخصية المعنوية لهذا  الفريق بكلّ مكوّناته- لأجل إحداث فرحة وقتية، لها حدود زمنية قصوى للصلاحية لا تتجاوزها، مهما حاولنا النفخ فيها فإنّها لن تتجاوز مدّة صلاحيتها، ثم يصبح النفخ فيها، بعد انتهاء فترة الصلاحية، عبئا على ناقله ومتداوله، بل يتحوّل إلى حدث عبثي.

إذا كان الفرح الوقتي في نوع من أنواع الرياضة المؤقت الصلاحية يحتاج إلى هذه الشروط الموضوعية، والظروف التي تسمح بإمكان التفكير في استنبات النجاح، فإنّ فوز الوطن في معركة الاستقلال والتنمية المستدامة واستئصال الاستبداد ومؤسسات تدوير الفساد، لا يتمّ بمسالك السبهلل الذي يظن أن بلوغ النجاحات معبّدة لكلّ سالك، حتى وإنْ سلك طريق التدحرج، ويُعْلَمُ وفق منطق الأشياء أنَّ من سار في المنحدرات ورضي بها سيجد نفسه في أخيرا في قاع التخلّف، والمدّاحون (الشياتون) لا يمنعون تدحرجه إلى أدرك دركات التخلّف.

الفرح الدائم في شؤون الحياة كلّها؛ تنمية مستدامة وخطة مضبوطة ليس للتهريج فيها مكان، وليس للفساد فيها مجال، وليس للفرعونية السياسية فيها قدم ولا يد، إذ الفرعونية المتحالفة من القارونية رأس كلّ بلاء سياسي واقتصادي واجتماعي، ومجرّد التفكير في تنمية الوطن في ظل هيمنتهما (الفرعونية والقارونية) جنون وحمق، أو على الأقل ضُعْفُ ذهني (إن لم يكن عقليا) في تقدير ظروف تطلّب التنمية والطمع في تحصيلها.إذا كانت فرحة تبلغ ذروتها في أقل من ساعتين (مباراة) ثم تتلاشى مع الوقت تحتاج كل هذا التجنيد الرياضي والإعلامي و...، فإنّ الفرحة العامة العارمة بحاجة إلى جديّة أكبر من جدية العناية بمتطلبات الفرح المؤقّت.

نفرح عندما نهيّئ جماعيا لظروف التنمية المستدامة وغلق مؤسسات الاستبداد وتدوير الفساد، وشرطه توفّر إرادة التنمية الجماعية، والتعامل مع أمراض الاستبداد والجهل والتخلّف والاستكبار على أنّها أمراض فتاكة تدمِّر الدول والحضارات، وتمنع من تجنيد الكفاءات الوطنية في الوثبة الصاعدة في كلّ مجالات التنمية. تباشير الفرح العام العارم تبدأ باستنبات قوى فكرية وتربوية وسياسية واجتماعية ناشئة، تحدث صحوة جماعية للضمير، وتؤكّد أنّ الشعب الجزائري يملك من الاستعدادات ما يسمح ببناء حضارة ناشئة.

الوطن يزخر بقوى اجتماعية وسياسية وفكرية لا تحتاج غير العمل الجماعي لأجل توفير ظروف وطنية تسمح بتفعيل إراداتهم الجماعية في الوثبة التنموية، وهؤلاء بمقدورهم أن إسعاف الجزائر بإسعاف الجزائريين ليستعيدوا توهّج الإيمان بقدراتهم الفردية والجماعية وتفعيلهما، الجزائري بطبعه محبّ للتحدّي بصفة عامة، فلنربط هذا التحدّي بالتنمية الشاملة، فيكون العلم طريقا للقضاء على الجهل، والحرية لاستئصال الاستبداد والإصلاح في مواجهة الفساد والإفساد.

الجزائري يبغض من يسمه بضعف الإرادة والعجز عن تحويل الإرادة إلى قدرة فردية وجماعية على الإنجاز، اسمح له بتحقيق الظروف الموضوعية، واجعله يثق بنفسه سينجز الأعاجيب في كلّ الميادين، ومن له ثقة بنفسه في الفضاء التنفيذي فليثق بثقة الناس بأنفسهم.

بداية رحلة الفرح الدائم أن نثق بقدرات شعبنا وحبّه لوطنه، وإسعافه لتفعيل هذه القدرات في التنمية العامة الشاملة.بداية الفرح الدائم أن تكون قاعدة الحكم واسعة، رأس ماله الثقة بين مكوّناته في إطار المسعى الوطني الجامع، يؤمن بحقّ كلّ الجزائريين في ذلك، ويجسّد ذلك تدبيريا، بما يحقق الإسهام الجماعي في التنمية، الجزائر بالجميع وللجميع في إطار رسالة الشهداء، ليس فيها سيّد وعبد، يكفي أن تشعر أنّك تنتمي إلى هذا الوطن وتفعّل هذا الشعور لتحمل همّ صناعة الفرح المستمر في وطن غلب عليه الاهتمام بالفرح المؤّقت على حساب الفرح الدائم.

قراءة 209 مرات آخر تعديل في الإثنين, 20 ديسمبر 2021 09:04