الإثنين, 27 ديسمبر 2021 06:45

دولة "العقل الأمني"! مميز

كتب بواسطة :

تلجأ الأنظمة المنهارة في زمن شيخوختها إلى التجسس وأجهزة الاستخبارات وترتمي في أحضان العقل الأمني، وترى أنه هو الذي يحفظ كيانها ويرصد أعداءها في الداخل! فتُضخم حضوره وتأثيره وتُعلي من شأن مُخبريه وتفتح أمامهم الأبواب الواسعة، وهم يديرون شؤون البلد بالسوط والإرهاب ونشر الخوف في المجتمع فيتولى أشباح وخيال دولة وما فيها من الدولة شيء، إذ يجعلون المجتمع كله عبارة عن مكتب للتحقيق، تحت الضغط والمراقبة...

ويقودها (الأنظمة المنهارة) الهوس الأمني والخوف من الشعب الساخط، وتستبد بها الهواجس وينخرها سوس المكائد والدسائس وتطاردها لهنة التآمر الداخلي، فيحبس الحاكم نفسه في دائرة مُغلقة من المستشارين الأمنيين يخوفونه من كل شيء ويقودونه إلى حتفه ويغلقون عليه المنافذ، فلا يرى إلا ما يروه ولا يسمع إلا ما يملون عليه وما يودون إسماعه. وكلما ابتعد الحكم عن الواقع غرق في وهم أن العالم كله ضده واستبد به الهوس بالمتربصين..ويوهمه ضعفه أن التجسس والتحكم والسيطرة على المجتمع هو الذي يضمن له البقاء والمحافظة على السلطة..

سياسة الشعب بالتخويف وفتح أبواب السجون للمعارضين والناشطين وتجريم العمل السياسي الشعبي المستقل وتحويل البلد إلى ثكنة كبيرة هذا جُرب وكان عاقبة أمره خسرا وخرابا وانفجارا شعبيا..وهناك حقيقة تاريخية تغفل عنها الحكومات، ألا وهي التناسب العكسي بين زيادة ونفوذ العقل الأمني وقوة الدولة، فكلما زاد تحكمه وقوي شأنهم في الحكم والمجتمع، كان زمن انهيار الدولة قريبا، ذلك لأنه يكون سلطة داعمة للدولة في البداية، ثم مشاركا مؤثرا في قراراتها في المرحلة الثانية، ثم يستبد بالأمر في المرحلة الثالثة..

عندما كانت روسيا تشيخ وتذبل ويهترئ جسمها كما كانت أجسام زعمائها الهرمين كبريجنيف، وتشيرننكو، وأندروبوف، الذين تلاحق هلاكهم في زمن قياسي، كانوا يحاربون هذه الشيخوخة والنهاية بمساحيق إرهابية ويحاولون استعادة أنفسهم وإشعار الداخل والخارج بأنه لم يزل في عظامهم مخ وقوة. والجاسوسية هي التي تضمن للحاكم البقاء وتحافظ على السلطة، وتسخر له البلد، ومن دون منازع، وفي الأخير تسلبه سلطته، وتنهي قوته وتجعله يعيش في زنازين الوهم والخوف.

والعقل الأمني لا يبني مكانته لدى الحكم إلا بعد إخافته وإشعاره بالحاجة الدائمة للهوس الأمني الذي يبعده يوما بعد يوم عن الواقع ليغرق في وهم أن العالم كله ضده، تخيفه وترهبه حتى يأتي الزمن الذي تسلبه الحكم نهائيا أو تحتفظ به رمزا فارغا وتكمل مشوارها في ممارسة السلطة الفعلية التي تتهدم على رأسها ورأس الرمز أخيرا .

قراءة 131 مرات آخر تعديل في الإثنين, 27 ديسمبر 2021 07:57