الأحد, 27 فيفري 2022 12:10

حراك البسطاء...وانسحاب المثقّفين مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

انتقد كثيرون الحراكَ الجزائري بحُجّة أن رموزه بسطاء شعبيون من غير النخبة المتعلّمة تعليمًا أكاديميًا عاليا، وفي هذا السياق، قرأنا وسمعنا كثيرا من الهمز واللمز في حقّ الكثير من الناشطين الحراكيين المعتقلين كالسجين ظلما إبراهيم لعلامي ومحمد تجاديت وغيرهم من المعتقلين، فكّ الله أسرهم. وهذه الحُجّة داحضة، فالحراك ضمّ ويضمّ كثيرا من ذوي المستوى التعليمي العالي من دكاترة في تخصّصاتهم، كالبروفيسور نور الدين مليكشي عالم الفيزياء الذي يعمل في وكالة ناسا الأمريكية؛ وهو بلا شكّ أكثر علمًا ومعرفة من جميع من يلمزون الحراك وينتقدونه دون أن يملك رُبع شهادات الأستاذ "ميليكشي" الذي يجدّد انحيازه للحراك دائمًا، وهو يبقى مثالاً واحدًا من بين مئات العلماء والمفكّرين المنحازين إلى الحراك سواء على أرض الميدان أو بالقلم والكلمة والموقف.

لكن لو سلّمنا تجاوزًا بأنّ رموز الحراك هم من ذوي التعليم المُنخفض: فإن هذه الحُجّة قد استُخدمت طويلاً في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية أثناء الاستعمار الجزائري، وقد وُصف الزعيم السياسي مصالي الحاج رحمه الله بأنّه وحزبه وأتباعه شعبويّون وغوغاء وبسطاء، وكانت هذه الاتهامات موجّهة ضد الحزب سواء من طرف الجمعية أو المنتخبين الجزائريين أو الشيوعيين؛ إذ إن حزب الشعب لم يكن يخاطب "النخبة" وأبناء العائلات الثريّة ودوائر المثقّفين المعزولين عن الشعب، بل كان ملتحمًا مع الفقير و"الزوالي" في الأحياء والمداشر والقرى، ولذلك كان هو الحزب الذي يرجع له الفضل الرئيسي في توعية الشعب ومخاطبته وإيقاظه من نومه العميق، فخاطب الجميع بلغتهم، الأمَيين في دواويرهم والفلاحين في حقولهم والعمال في مصانعهم والطلبة في جامعاتهم والمثقفين في دوائرهم، وكان هو المدرسة التي كوّنت ناشطي الحركة الوطنية الذيني فجّروا فيما بعد الثورة المجيدة المباركة التي حرَرت البلد.

ولو رجعنا بالزمن إلى الوراء أكثر بعد الاحتلال الفرنسي إلى الجزائر، نجد أن المقاومة الشعبية والوجودية للاستعمار الفرنسي قادها البسطاء والشحّاتون وقطّاع الطرق والمغامرون والصعاليك كما كانت تصفهم الكتابات الاستعمارية، فهاهم الشعراء الشعبيون يطوفون في الأسواق ويبشّرون بقرب انكسار الاستعمار، وها هم "الصعاليك" أو "قطّاع الطرق" كما وصفتهم الآلة الاستعمارية (وهم المجاهدون الشرفاء بلُغة النضال الوطني) يُغيرون على الجيش الفرنسي ويعكّرون صفو وجوده ويهدّدون أمنه إثر انكسار الثورات والمقاومات، بينما كان من يوصفون بالمثقّفين وأبناء العائلات النبيلة من الأجياد وأصحاب المال والأصول العالية في مقدّمة من استعانت بهم فرنسا ونصبتهم آغات وباشاغات وقيّادًا، تتجسّس من خلالهم وتتحكّم بهم في مصائر الشعب.

وفي هذا السياق، يقول شيخ المؤرخين الأستاذ سعد الله:

"وفي الوقت الذي فشلت فيه الثورات ظهر صعاليك الأنفة والشرف من شعراء ومغامرين لكي يرفعوا التحدي ويأخذوا بالثأر في أشكال مختلفة. ونكاد نعد ناصر بن شهرة واحدا منهم، وكذلك بوشوشة. وكلاهما ملأ الصحراء دويا قرابة ثلاثة عقود. الأول منذ الخمسينات، والثاني منذ الستينات. ثم ظهرت بعدهما جماعة (المدقانات) التي برز فيها صعاليك من سوف والشعانبة والتوارق وأولاد سيدي الشيخ وغيرهم. وتصادف ظهورهم مع ثورة بوعمامة ومحاولات الفرنسيين التوغل في الصحراء عن طريق ما أسموه بالبعثات العلمية والاستكشافية. وهي بعثات كانت في الحقيقة للتجسس على الأهالي وجمع المعلومات قام بها ضباط وعلماء ورهبان. وقد درس الضابط ألفريد لوشاتلييه نشاط المدقانات لأنه كان عارفا بهم إذ كان مسؤول المكتب العربي في ورقلة في وقت نشاطهم. ثم درسهم "لويس رين"، وهو أيضا من الضباط المستعربين والعارفين بالحياة الجزائرية، كما أشرنا. وقد قال "رين" إن الشعانبة المتمردين الذين كانوا مخلصين لبوشوشة، شكلوا فرقا (عصابات) من النهابة، حسب وصفه، وأطلقوا عليها اسم المدقانات، وحصلوا بذلك على غنائم خيالية. وظلوا خلال عشر سنوات (1874 نهاية زعامة بوشوشة إلى 1883) يقطعون الطرق ويجوبون الصحراء من وادي درعة غربا إلى فزان شرقا. ويدَعى "رين" أنه قد قضي على هذه الفرق نتيجة الحملة التي قادها ضدهم الضابط (ايقنيدي). ويقول "رين" نفسه إن المدقانات تعتبر ذيلا لحركة بوشوشة".. انتهى الاقتباس.

فالمجد كل المجد للبسطاء الذين حملوا راية الشجاعة والمروءة والصبر على النضال، والخزي كل الخزي على أشباه الأكاديميين والمثقّفين والدكاترة الذين يملأون شاشات التلفاز ليبرّروا صنائع السلطة وينظّروا لها، متخلين عن قضيّة شعبهم ووطنهم من أجل الأموال والمناصب الفانية.

قراءة 143 مرات آخر تعديل في الأحد, 27 فيفري 2022 12:20