السبت, 09 أفريل 2022 22:29

لا تحكموا على الماضي بعيون الحاضر مميز

كتب بواسطة :

ما أُثير مؤخرا من جدل ولغط حول التوجه الاشتراكي لبعض المفكرين البارزين واختياراتهم السياسية، والحركة الوطنية عموما، في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي،يحتاج إلى بيان لحقيقة الموقف ورفع الغموض في مثل هذه القضايا التاريخية الشائكة. صحيح أن كل من شاركوا في مؤتمر طرابلس في 1962 صادقوا من دون استثناء على الاختيار الاشتراكي وصوتوا بالإجماع لصالح نظام الحزب الواحد، ومنهم الشيخ الإبراهيمي وفرحات عباس على سبيل المثال. 

ولكن قبل أن تحكم على هؤلاء بعيون الحاضر عليك أن ترجع إلى السياق التاريخي وتعريف المصطلحات بدقة، وماذا كانت تعني لهؤلاء الأشخاص. فمدلول الاشتراكية قي الخمسينيات والستينيات كان عند أغلب الناس مفهوما يناقض الرأسمالية والفكر الاستعماري الإمبريالي المتسلط على الشعوب، ويتماشى مع الإسلام ومعتقداته ولا يتناقض مع قيم القرآن الكبرى من عدل وشورى الخ.....

فحتى بعض أبرز وجوه حركة الإخوان تبنى وقتها الاشتراكية، وكتب أحد مفكريها البارزين، مصطفى السباعي، كتابا عنونه "اشتراكية الإسلام"، وكذالك كان شأن المفكر الموهوب مالك بن نبي. وصحيح، أيضا، أن في مؤتمر طرابلس لا أحد اعترض على الاختيار الاشتراكي والحزب الواحد، ولكن بعد الاستقلال مباشرة ارتفعت أصوات كثيرين تعارض التوجه الاشتراكي لبن بلة ثم ''الاشتراكية العلمية'' لبومدين، ودفعت ثمنا باهظا من أجل ذلك، فمع مرور الزمن تبرأ أغلبهم من هذا التوجه عندما  ظهر للعيان عداؤه الصارخ للدين وقيم الشعب والرؤية المادية للحياة وللكون، وبدأ أصحاب هذه الإيديولوجية يروجون لإلحادهم وكفرهم الصريح ومحاربتهم لدين رب العالمين.

فقبل البدء في نقاش أيَ موضوع، خاصة في السياسة، لا بد من تحديد المفاهيم ومعنى المصطلحات التي يدور حولها النقاش، وهل التصور نفسه للمصطلح يتفق حوله عند الجميع. ربما تناقش جماعة لساعات طوال في موضوع معين وأنتم لا تقصدون المعنى نفسه، وفي الأخير يتبين لك أن الالتباس في مدلول المصطلح وليس في التصور أو الحكم القيمي على الشيء.. ولهذا يؤكد علماؤنا ضرورة البدء بتأصيل المصطلح لغويا وثقافيا وتاريخا من خلال البحث عن جذور المصطلح وأصوله في اللغة، ومراعاة سياقه التاريخي. فمن الإجحاف الحكم بعيون الحاضر على فهم الناس لمصطلح استعمل منذ عقود مضت.

وليست الاشتراكية التي تكلم عليها السباعي أو بن نبي كتصور اشتراكية الحزب الشيوعي، وهذا يصلح لكل المصطلحات المستعملة... فهل عروبة بن باديس وعبد الكريم الخطابي وفرحات عباس هي عروبة ميشال عفلق أو البعث؟ وهل الديمقراطية التي يقصدها عبان أو بن مهيدي هي تصور اليمين الفرنسي ؟ الخ.

ثم إن عدم مراعاة بالسياق التاريخي وتحديد المفاهيم وحقيقة لمصطلحات عند أصحابها يجعل الحوار أقرب إلى حوار الطرشان، تتشعب بهم السبل وتتعارض المنطلقات، فالبداية من تحديد المفاهيم وتحريرها من الالتباس، وهي خطوة تأسيسية لا غنى عنها في أي نقاش أو نقد أو تقويم، فإن صحّت ابتداء يصح البناء عليها وتوصل إلى نهايات واضحة، وإن فسدت فلا يمكن التقدم خطوة بنَاءة في النقاش والحوار، فثمة ضرورة مُلحة لتحرير مجالنا المعرفي وأحكامنا من غموض المفاهيم قبل الخوض في أي نقاش. ومهم في هذا مراعاة السياق التاريخي في التقويم، وإلا كان النقد اقتطاعا واجتزاء. مهم إعمال العقل والنظر النقدي في قراءتنا للتاريخ وأحداثه والمؤثرين فيه لكن مع سلامة القصد والرصيد المعرفي وتحري الإنصاف.

قراءة 157 مرات آخر تعديل في السبت, 09 أفريل 2022 22:48