الثلاثاء, 24 ماي 2022 19:38

المخاطرة بالحكمة السياسية مميز

كتب بواسطة :

المخاطرة بالحكمة السياسية يعني هدرُ مكاسب تحققت أو يُرجى لها أن تتحقق، وتخزين الطاقة الثورية أولى من تبديدها فيما لا جدوى منه، وصراع سياسي بالغ التعقيد كالذي نخوضه يتطلب عقلا فوَارا توليديا وتفكيرا جماعيا وصناعة نخبة سياسية (تُصنع صناعة تكوينا وتأهيلا وخطابا ورؤية وممارسة) من خارج الصندوق الموروث، ومن رأى نفسه أكبر من المجموعة أو في غنى عنها، فهذا ضرره أكبر من نفعه، والوعي تراكمي ولا يتراجع، ومن افتقر إلى شجاعة الخيال وجرأة المراجعة والتصويب المستمر حُرم التجديد والتطوير، إذ المرونة أقوى من الانغلاق وتصلب العقول.

والتغيير المُمكن يحتاج إلى إسناد شعبي واسع وقوى مؤثرة، وما لم نكن قادرين على تحريك القوى السياسية والاجتماعية وطبقة المثقفين وجعل التغيير قضية رأي عام، يتعذر إحداث ثغرة في جدار الغلق المتين، ودائرة التأثير تضيق بأصحابها، إذ ما لم ير النظام أنه مُجبر على قدر من الانفتاح فلن يُقدم على أي خطوة ذات دلالة سياسية، فكل ما هو مطروح، حتى الآن، ورقة مرتبطة بحسابات داخل أروقة الحكم والجانب الدعائي فيها أكثر طغيانا من أي اعتبار آخر، ولهذا من المُهمَ الخروج من ضيق الدائرة الحراكية إلى سعة الجمهور والساحة ومكوناتها لصنع حالة من الوعي الجماعي والضغط السياسي المُلجئ، وهذا يتطلب خطابا مُقنعا وعقولا راجحة وحسن تقدير وتدبير لاستيعاب الظروف والأفكار والقوى وإلا كان الانحباس في المربع الضيق...

وأشدَ ما يعصف بالتجربة الحراكية أو محاولة الرَشد السياسي هو الجمود والتصلب، ويسمونه ثباتا، ويمدحونه بأنه ثقل ورزانة، وحُرَاسه (التقليد) يُقدَرونك يوم لا تفاجئهم بشيء، ولو صحَ هذا لما وجدنا في حياة الإنسان إبداعا وتجديدا ولا رأينا مغامرة نشكره عليها، فنحن دوما أبناء ما جرينا عليه، ونخاف من المغامرة فيما نحتاج إليه، لكن لم نتحلَ بالجرأة والاندفاع الواثق لما صنع الإنسان شيئا في حياته ولا غامر ولا نجح ولا تعثر..

والتحدَي المباشر مُستنزف ويربي الوحوش في غابة دوائر القرار، والتحرك الهادئ الحذر، بعيدا عن الاستعراض ومنطق التصادم، يُقلل الخسائر والأضرار ولا يولَد انكفاء وانحسارا فظيعا، فكثرة الضربات توهن الجسم وتُحدث كسورا وتنشر الهلع والرعب وتُكرس الانكماش وتُشغل عن البناء التراكمي السياسي لقوة التغيير الدافعة..ولغة التصادم والشحن تصنع حالة من الانتقام والشحن المضاد، فنغرق في ردات الفعل وتغمرنا مشاعر المظلومية فيكون الاندفاع والتهور وتضيق مساحة الممكن المتاح.

والمبالغة في التشكيك مرض قد يثير الغبار في وجه من يطالب باتساع الرؤية وإنضاج الموقف...ويمكننا أن نُجدد أفكارنا وممارستنا ونهذبها، دائماـ عندما نقلل من تقديس الفكرة ورفعها فوق الإنسان وطاقته وتحمله وظروفه... فالتزمت الفكري قد يحمل تدميرا للإنسان واغتيالا لعقله...وأما ضرر غياب الوعي عند مقدسي الأفكار، فيتمثل في أنهم لا يُبقون للإنسان وتجربته وممارساته قيمة واعتبارا..ويقدمون الأفكار على الإنسان المتعامل معها، وهذا يجعل صاحب الفكرة عبدا لفكرته وتكون لها السطوة والهيمنة، فيعيش أسيرا لها بدعوى الوفاء ولكنه التزمت والتعصب، فالفكرة إن لم تُهذب تطرفت وأغلقت عقل صاحبها...

وعلينا أن نقف ضد التفرد والتهور حتى ممَن نثق فيه، لئلا يُبرر للأسوأ، وُمهمَ، هنا، التبصر وسعة الصدر والعقل لئلا نتجه إلى تقييد حرية التعبير عن الأفكار، من حيث لا نقصد، خوفا من الإسقاط والتشكيك وطلبا للمسايرة والمجاراة، وهذا انغلاق وتشنج وشطط، لا يخدم الوعي السياسي بأي حال من الأحوال..

قراءة 140 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 24 ماي 2022 20:02