الإثنين, 01 أوت 2022 08:41

هذا ما جنته الثورات المضادة على بلداننا مميز

كتب بواسطة :

هذا ما جنته الثورات المضادة على بلداننا....في تونس والجزائر ومصر و....رموز هذه الثورات المضادة أشخاص فقراء الفكر صنعهم الرعب من الثورات، ثقافتهم الخوف والتخويف وترويع المجتمع من عواقب التوجهات الديمقراطية. ولأن الديمقراطية من شروطها الأمن، فهم يصنعون الخوف ودعاية الخوف وأوهام الأخطار المتربصة، ليسهل عليهم قهر المجتمع واستعباده، حيث يجمع بينهم موقف واحد وهو الانتقام من الشعوب التي خرجت على النظام القديم ومساوئ أخلاقه وممارساته.

ليس هذا فحسب، فهم يرفعون شعارات الإنقاذ من الثورة ومما تجلبه بداياتها من اضطراب، فتغشاهم أمراض غرورهم وشعورهم بقوتهم الجديدة التي تنقذ المفسدين السابقين من طموحات الشعوب، وتستولي عليهم نرجسية المنتصرين والتطلع فوق إمكاناتهم وقدراتهم الشخصية والفكرية والإدارية، ويدخلون المجتمع في منظومة أمراض شخصية وأوهام عظمة هم من يصنعها ويؤيدها، لتغطي على مساوئ المظالم التي يستعيدها النظام وينشئ أسوأ منها. ليس هناك حد لأوهام العظمة وخرافات هؤلاء التافهين المغرورين وفضائحهم...

صنعوهم أمام أعين الجميع فرضا وكرها ثم وضعوهم في واجهة الانتقام، وجمعوا الجموع وأجلبوا بإعلامهم ومالهم لمصادرة ما حققته الثورات من وعي وتصميم على النهوض ورد الاعتبار للإرادة الشعبية...ويزعمون، في كل هذا، أنهم حماة الوطن وحماة الاقتصاد، وهم الذين يعيدون للدولة القوة والشباب والعزيمة، ويغرقون الناس في حال من الأوهام بالمشاريع العملاقة والمستقبل البراق، وقلب المجتمع عاليه سافله وسافله عاليه، وتغفيله وإغراقه في الأوهام واللا معقول..

والثورة المضادة مُرغمة على فرض عادات الطغيان، وتصور نفسها في صورة نظام جديد، ولتوسيع نطاق سلطتها في الداخل تلجأ إلى الإرغام، وفي الخارج تثير الزوابع، إذ إنهم نبذوا كل أمل في إقناع الناس ولجأوا إلى قوتهم في إشاعة الخوف فيهم..واستعادة النظام القديم تعني إنكار حق الشعوب في نيل حريتها وكرامتها، وإلغاء فكرة أن يكون لحياة الإنسان في تلك البلاد معنى وقيمة وطموح وآمال يسعى لها، فهي إيقاف للتعقل ولحياة الضمير من أجل جمود الماضي، فكل شيء لغيره وهو مجرد دمية لا قيمة لها تحت أقدام المتحكمين في القرار..إنها، من ناحية ثورة ضد الشعوب وما أنتجته الاحتجاجات من حرية وديمقراطية، وهي محملة بكل الأحقاد ضد ما حققته هذه الشعوب، إذ تعمل على تغيير سلوك المجتمع وثقافته إلى سلوك وثقافة أخرى جديدة تماما، فتثور على قيم الثورة ابتداء، ولكنها لا تملك رؤية إلا الماضي...

أما لماذا كسب خصوم الثورة؟ فلأن المحتجين والثوار عرفوا ما لا يريدون وهو النظام الفاسد القائم، واختلفوا في تعريف ما يريدون، وغفلوا عن انتقام المهزومين، وعجز حركة التغيير الشعبية عن إنجاب قادة في مستوى المسؤولية، بينما لا يفطنون إلى أن المهزوم دائما أخطر من المنتصر...ومن أخطر ما يواجهه الثوار انكشافهم أمام أنفسهم، فخلع الحجب والقيود وكسر الصمت يجعل الثوار يجدون نفسهم سواسية أمام أنفسهم في مغامرة جديدة للمشاعر الإنسانية لم يألفوها من قبل، فلأول مرة يرون أنفسهم مسؤولين عن مصيرهم وعن صياغة قانونهم وعن تحديد قادتهم، فيرون القوة الثورية تتحول إلى الضعف البشري، والعجز عن التغيير ونيل المكاسب المأمولة...وهنا، تصبح الثورة مجرد ذكرى...

ويستولي هوس الانتقام من الشعوب على قيادات الثورة المضادة، فيرون أن طموحاتها أو مهمتهم في تدمير الشعوب لا تقف عند حدَ، إذ يشعرون بوصاية على كل مكان ذاق طعم التحرر، ويتجهون لتدميره وإلحاقه بمعسكر المتسلطين الناقمين من المتحررين...وهذا التوجه العدواني المكرر تجده سلوكا ثابتا للثورات المضادة، فبعد أن تقضي الثورة المضادة على خصومها في الداخل، وهم غالبا طلاب التغيير وزعشاق الحرية والكرامة، يفسدون العلاقات الخارجية، إذ إن بقاء الثورة المضادة في السلطة مشروط ببقاء قدرتها على التحكم والسيطرة وخوض معارك "دونكيشوتية" للإلهاء..

كتب المنقلبون الجدد دساتير وقوانين في روحها انتقام من الثورة الضرورية، ويصوغونها فردية، تناسب أشخاصهم ورغباتهم، ليس للشعب فيها وجود إلا وجود التسخير لهم والخضوع والصمت، ويسنون كل يوم قانونًا لحرمان الشعب من إنسانيته، فما هو إلا خاضع تابع خادم لمصالح الأقلية المعادية له. فروح قوانينهم الخوف والتمكن وإرغام الشعب على الخضوع والتبعية، يقررون ذلك بقوانين قد تظهر سماوية، أو أرضية، سيان مصدرها المكذوب أنها استلهمته منها، فمصدرها الطاغية المستعيد للطغيان، إذ تدور حول المصالح الجديدة والأفراد الجدد ومكاسبها واستدامتها وتقييد الاعتراض عليها. وبدلا من أن تحقق مصالح الشعب تُكتب ضد مصالحه، ثم يقولون هذا هو المرجع والحق وتم الإجماع عليه، وما أسهل الإجماع في دكتاتوريات المستعيدين لنفوذهم.ويسخر النظام المنقلب على حركة التغيير الشعبية كل شيء كان في الماضي لخدمة تأليه القوة الجديدة، ويسير ذلك بالتوازي مع كثرة السجون ومصادرة الحقوق، فتعمر سجونها برجال الثورة، وتصدر ضدهم محاكمات وإدانات وأحكاما أقرب إلى الانتقام الوحشي..

ولكن الثورة المضادة أو حركة المستعيدين لعصر الظلمات عابرة، ولن تصنع مستقبلا يحترمه الناس ويؤملون فيه خيرا، لأنها ثورة انتقام ضد الشعوب وضد مصالحها. وقد شهد العالم هذه الانتقامات الهامشية من الشعوب وعرف بؤسها وفشلها. ولا يصنع الأمم إلا حركات تغييرية ثائرة تصنع إنسانا وتاريخا بعيد الأثر والأمد، فليست لحظة سريعة وتذهب، بل هي حصاد لتراكم من المعرفة والتفكير والطموح تنجح بالاعتدال، وليست مجرد حصاد لتراكم بغي المفسدين في المجتمع، ولا لحظة للخلاص العابر منه. إنها حشد قوى الإنسان مجتمعة ليصنع عالمه الذي يريد، ويجرف في طريقه الإعاقات الفكرية والسلوكية والنظم المتخلفة والجائرة..

قراءة 92 مرات