السبت, 13 أوت 2022 22:49

نيران حرب أطفأها "جمال ابن اسماعيل" مميز

كتب بواسطة :

مرَت سنة كاملة على حرائق منطقة القبائل والجريمة البشعة المُرتكبة ضد الشاب المُسالم المغدور به جمال ابن اسماعيل، العقل المدبر للجريمة اختار لها توقيتا حساسا حرجا مُدويا، كان سواد الرماد قد غطى المنطقة بجبالها وغاباتها وزروعها وبيوتها، واستثمروا في الصدمة النفسية وحالة الهلع من هول النيران الزاحفة وضحاياها، فأحرقوا جثته، إشعالا لنيران الفتن والعصبيات، فما وجدوا سبيلا شيطانيا لحريق القوميات والعصبيات التي لا تبقي ولا تذر إلا ارتكاب هذه الجريمة النكراء، وصبَوا بهذا مزيدا من الحرائق على الحريق الأكبر في تاريخ المنطقة، وهذا في ذروة العواصف الهوجاء التي عصفت بالحكم وهزت أركانه، وإيذانا بإحكام القبضة الأمنية على مدن المنطقة الثائرة لإخماد حركة التغيير وزرع الرعب في أوصالها، فكان ما كان من القصة المعروفة...

فكانت الجريمة الصادمة إحدى نوبات الجنون التي غلبت على دوائر في السلطة في خضم معارك وصراعات أجنحة الحكم التي لا نهاية قريبة لها..وألهبت بجريمتها النكراء مشاعر العصبية وغذت محاولات تفتيت وانشطار الهوية الثقافية. والأخطر، هنا، أن تتحول العصبيات إلى وقود في صراعات الحكم وإخضاع المجتمع والتفرد بالسلطة القهرية... حرب العصب وصراع الأجهزة أحدث كل هذا الانفجار وسعَر الفتن والعنصريات، فكانت لحظة تاريخية حاسمة مرَ بها البلد، ومن لطف الله بنا أن تجاوزناها بأقل الأضرار..وليس هناك من مستبد يقبل سماع حقيقة أن الدكتاتورية ورأي الحكم المتفرد بالسلطة هو ما أوصلنا لما نحن فيه من حال سيء ومستقبل مخيف ونفخ عنصري وإحياء لدعاوى الجاهلية...

وقد حاولوا تحويل الاهتمام من إعادة بناء الدولة ومنع انهيارها والتغيير السياسي المُمكن، إلى صناعة حرب اجتماعية وثقافية تستنزف الطاقة الشعبية وتصرفها إلى معارك الهوية القاتلة.ولله در الشجعان الذي استطاعوا أن يحملوا المعاول ويهدموا خرائب الأصنام والعنصريات والعصبيات المقيتة في قلوبهم وعقولهم، وينتصروا على الحيل الشيطانية والمكر التسلطي ويخمدوا نيران الحرب الأهلية التي أوقدوها..ولهذا يقتضي الأمر دوام الرقابة من لدن المجتمع الحيّ ومثقفيه ومبصريه، مخافة الانحراف والزيغ والعكوف على النفخ، أيا كان، ولذلك لا بدّ من جعل الوعي والتوعية حسَا عاما وثقافة جماعية تقطع الطريق على العصبيات والعنصريات والعنجهيات، وتمنع من خوض معارك غيرنا على أرضنا وفي ديارنا...

وقد انتهت القومية الأوروبية المتعالية على بقية البشرية، المسوِّغة لنفسها الاستعلاء والإرهاب، إلى قومية ألمانية متعالية على بقية الشعوب الأوربية، تتبنّى أسطورة العرق الآري المختار التي جسدتها النازية بكل همجيتها...وأوروبا استخلصت العبرة الصحيحة من هذا المسار، بعد ما ذاقته من دمار، فاعترفت بفضائها الحضاري المشترك، وبدأت مسار وحدتها بعد الحرب العالمية الثانية، على أسس ليس فيها شطط قومي، وليس هذا يعني طمس وكبت ودفن الانتماء القومي، كلا، فالانتماء القومي هو انتماء شرعي شأنه شأن كل الهويات الاجتماعية، لكن يحتاج إلى أن يتسع صدره للانتماءات الحضارية الأكبر والأهم...وكان هذا الدرس البليغ المُستوعب قد عصمنا من نيران العصبيات الحارقة التي تنفخ في رمادها دوائر نافذة في الحكم وامتداداتها..

قراءة 82 مرات