الخميس, 24 نوفمبر 2022 10:34

الغربُ ليس العالم والعالمُ ليس الغرب مميز

كتب بواسطة :

انتقل العالم سريعا من عالم الرياضة إلى عالم صراع القيم، ليس ثمة شيء اليوم معزول عن سنة التدافع، ولا يرى نفسه خارج الدائرة إلا ميَت الضمير أو مطموس البصيرة، والإنسان ذو موقف بفطرته، فهُو إمّا أن يعبّر عن رأي مناصر للحق والفضيلة والطَهر، وإما أن يتبنّى موقفا مساندا للقبح والانحطاط، وإما أن ينغلق على أنانيته فحسب.. والشذوذ الذي يُجبر عليه الغرب الناس خرج مهزوما مدحورا في أكبر حدث رياضي عالمي تحتضنه قطر، حتى بدا أنه ما عاد لأوروبا العجوز ما تقدِمه للبشرية من قيم، سوى المجاهرة بالفجور على غطرسة وكبر..

المركزية المُدَعاة (أنه مركز الكون ومعيار التحضر والرقي) التي انغلق عليها الغرب واغتر بها وافتتن بسحرها وزادته عتوا وطغيانا ما عادت لها السطوة، ليس لأنه الغرب فقراره ماض وأمره نافذ، ثمة مقاومة واعتزاز بالنفس والقيم الأصيلة واستعادة للذات المسلمة، ومن كان صلبا في موقفه صادقا في انتمائه أجبر الآخرين على الانصياع ولو على مضض...وربما تبين لكثير من المخدوعين، اليوم، أن الغرب ليس العالم والعالم ليس الغرب...وليس مركزا للكون...هناك عالم آخر يقاوم ويستعيد ذاته...روح العزة تنبض مجددا في الأمة، وليست غريبة عليها، على الرغم من محاولات اللصوص المتسلطة إبادة الهمة والطموح وقتل السمات الطيبة في الشعوب..

وقد قرأتُ لأحد الصحفيين يتحدث عن "إقحام السياسة في الرياضة" في استنكاره لمحاولة الغرب فرض الشذوذ، وهذا من الآراء التي سكنت عقولنا وأوهمونا بها ردحا من الزمن، لم يفهم صاحبنا، وأمثاله كثر في عالم الصحافة والثقافة عندنا، أن القضية تتجاوز السياسة ومناوراتها وحساباتها وألاعيبها، وإنما هي صراع مرير بين عالمين وثقافتين، يرون أنفسهم مركز الأخلاق ومقياس التحضر ومعيار التقدم، لا يعترفون بأي عالم آخر خارج عالمهم، وعندما يتعاطون معنا ينسون كل قيم صحفية أو حقوقية أو أخلاقية، هم وحدهم، فقط، من يحق له أن يعيش كما يريد، فأي صفاقة وبؤس هذا!! ولهذا تلاشت عندهم الحدود بين الحيوان والإنسان، والساسة والمثقفون واللاعبون والأذرع والكيانات التابعة لهم تخضع لمنطق الهيمنة والمركزية...

أما استغلال اليمين واليسار لمثل هذه القضايا، فهذا ممَا هو دارج في صحفهم، لكنه بعيد عن الحقيقة، القضية أعمق وأبعد، فاليمين في الغرب لا يمكن أن يتقبل المسلم لأسباب دينية وعرقية، واليسار يشترط عليه أن يصبح علمانيا أو ملحدا وينسلخ تماما من هويته قبل أن ينظر في احتمال تقبله...فليتنا نتجاوز النظرة السطحية النمطية لما نراه ونشاهده من حملة مسعودة لفرض الفواحش والشذوذ، فالقوم في قضايا البهيمية وفرض نمط الحياة وعمى التكبر والاستعلاء والعنصرية يستوي عندهم السياسي والرياضي، ولا يسلم منهم إلا صاحب ضمير حيَ وإنصاف عزيز.. 

وعالم المسيحية تعود لأكثر من خمسة قرون أن يغلب ويقهر ويستعمر ويستعمل منافقيه ووسطاءه في قهر العالم الإسلامي، ويجند مرتزقة ليكونوا صدى لرأيه وأفكاره وقوته، ولذا وجد المنتصر نفسه مندفعا يجتاح لوحده بلا رادع لا من آخر ولا من ضمير، فزاد الغزو، وتعاظم السلاح، وتطورت إدارة المستعمرات والملحقات. وقرر الغالبون أن على العالم الإسلامي البقاء في عالم الاستسلام والمغلوبية والتبعية، ويوجه اللوم إليه دائماً، أحسن أم أساء فعليه أن يعتذر لكل سلوك قريب منه، صادر عنه...وعلى المنتصر، أو الذي تعود أن ينتصر، أن يعلن دائما بأن أعماله أخلاقية وتقدمية وعالمية ومبررة كلما أجرم أو طغى وتغطرس..وتماسك العنصري العرقي بالديني عندهم أمر واضح، والأفكار العنصرية وجدت في الدين بداية طورها المتطرفون القوميون..

لقد فقد العالم النصراني لغة السياسة ودهاء خطاب المستعمرين، وأصبحت السياسة العليا شعبية معلنة، وموقف القوم يعلنه سفهاؤهم، وما عقدتهم الكبرى إلا استمراء الغزو الدائم والقهر المتواصل للآخرين...

ومن بني قومنا من يستنكر على نفسه لومهم ويدافع عنهم أكثر مما يدافعون هم عن أنفسهم؛ لأن المهزوم دائما يكون في دائرة الخطأ، والتشنيع، وتدور عليه دائرة عدم الثقة بالنفس، وهذا جانب واحد مما يسمى ثقافة الهزيمة، فالمهزوم لا بد له أن يقر بأن الأفكار التي يحملها ويؤمن بها هي سبب هزيمته، ويبلغ التشكيك بثقافته حد التشكيك ببدنه وعقله ولغته وجغرافيته، ليجمع في عقله كل دليل يؤيد كونه مهزوماً دائماً، وهذا الاحتلال العقلي واضح عند من يصبح ويمسي يهجو قومه...وحين نكون صدى فإننا لا نكون مشاركين في هذا العالم بالوجود فكيف بحضور الحقيقة والمعلومة أو الصراحة، ونغش أنفسنا ونغش خصومنا يوم نستسلم لخطاب مخادع وفاجر وبهيمي..

قراءة 72 مرات آخر تعديل في الخميس, 01 ديسمبر 2022 06:42