الثلاثاء, 17 جانفي 2023 13:37

يُسمَون العجز حكمة مميز

كتب بواسطة :

مقولة "الأفضل أن لا نتحرك على أن نرتكب حماقات سياسية" ابتُذلت من كثرة استعمالها وتكرارها، وفقدت بريقها، وليست هذه العبارة على إطلاقها، إذ أخطاء وتعثر التجارب السابقة لا توصينا بالقعود والجمود والتمترس وراءها، بل استيعاب الدروس القاسية المؤلمة والاستفادة منها، وتدارك النقص والقصور وتسديد الوجهة، ثم الإغراق في التأمل الذهني والحسابات الضيقة لن يصنع مجرى تاريخيا ولا خطا سياسيا مؤثرا ولا يُقربنا إلى الحل العملي الممكن، وهذا الفراغ السياسي الرهيب الذي يلفَ المشهد يُغري السلطة بالتضخم والتمدد في السيطرة والإيغال في سياسغ الغلق والخنق..

ما نعرفه استنادا لإرث هائل من التجارب التاريخية السياسية أن الديمقراطية هي عملية طويلة متعرجة وبناء تراكمي أكثر بكثير من كونها وجهة أو تحولا خاطفا سريعا...ويتطلب النضال السياسي من أجل الانتقال الديمقراطي التدريجي تجديدا مستمرا في إدارة الصراع واستيعابا للظروف ومرونة في التقدير والتدبير السياسي وعقولا متبصرة راجحة في كل جيل وقدرا من الجرأة والاندفاع المدروس الواثق والتكتل السياسي الموزون والتحرك المسؤول...

لكن شرط التحرك المؤثر هو الاجتهاد وحسن التدبير، لا يمكن لأي حركة تغييرية التعويل على إرث وتجارب السابقين، اندفاعا أو إحجاما، إذ التقليد يتطلب جمودا عند أمس ويبوسا على المواقف، ويسمونه ثباتا، ويمدحونه بأنه ثقل ورزانة، وحُرَاسه (التقليد) يُقدَرونك يوم لا تفاجئهم بشيء، ولو صحَ هذا لما وجدنا في حياة الإنسان إبداعا وتجديدا ولا رأينا مغامرة نشكره عليها، فنحن دوما أبناء ما جرينا عليه، ونخاف من المغامرة فيما نحتاج إليه، والدروب التي لم تُعبّد ولم تُسلك يهزأ العقلاء من سالكيها، تجلب الضحك عليهم، غير أن هناك من تعجبهم المحاولة بعد أن ثبت أنها مُمكنة، ثم يدُكَها المشاة، ثم تُصبح الجادة، ويصبح سالكوها راشدين...

وهذا التجديد والاجتهاد يتصدى له من ينبئ عن عقل هادئ متفرد راجح غير هيَاب، يتجاوز الهواجس ويترفع عن ركام الماضي، قادر على أن يبصر الطريق ويقول لمن حوله: من هنا الطريق...يخطَ الطريق نحو الممكن، وأما الانحباس في أعماق الرصد والتشخيص والتردد بحجة "عدم ارتكاب الحماقات" من دون اقتحام للعقبة ولا تحرك مؤثر متجاوز للحظة، فهذا لا ينتقل بنا إلى الأمام خطوة، بل يحبسنا ويبعدنا عن التأثير في المستقبل والاستعداد له...

ندرك جيدا ما الذي يجري، ولماذا، لكن نفتقد لتحرك واع مستوعب لما يمكن فعله، تقديرا وتدبيرا...وليس ثمة تحرك من دون قدر من الجرأة والمخاطرة، وأما انتظار الأفضل وتهيؤ الظروف، فهذا غير متاح وليس ممكنا ولم تأت به الأيام، ولو لم نتحلَ بالجرأة والاندفاع الواثق لما صنع الإنسان شيئا في حياته ولا غامر ولا نجح ولا تعثر، والمبالغة في التردد عجز، وقد يسمون العجز حكمة، والتغطية عليه خبرة.

قراءة 57 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 17 جانفي 2023 14:12