الأحد, 22 جانفي 2023 08:47

حريقُ "الحراك" وما بعده مميز

كتب بواسطة :

كانت حياتنا في الحراك حريقا عرفنا كيف نُشعله، لكننا لم نعرف كيف نهدئه. هل كان طموحا أم أملا أم حرقة أم تنفيسا، يأسا من دروب بديلة أم اختيارًا لدرب لا نعرف إلى أين يقودنا، أكثرنا لا يعلم، وإن كنا نعرف تفاصيل ما حدث.

ولم يلح لنا أمامنا أو خلفنا طريق أحسن ولا أجدى. وربما يقول كثيرون اليوم بعد فترة من الحراك لو أننا رأينا في المدارس والأحزاب والمجموعات المتنافسة خيرا مما نحن عليه لذهبنا إليها، ولكن مجتمعاتنا لم تقدم لنا أحسن مما كان عليه مثقفونا وسياسيونا من السير في قيود مذاهبهم ومصالحهم الضيقة وهوى الحاكم أو جمهورهم، فماتت طموحاتهم بقرار التقليد أكثر من قرار الاختيار. هل حققنا شيئا مما طمحنا إليه؟ لست متأكدا، حملنا من الصراحة ما لا نطيقه وخُضنا معركة الشارع بصدق وسلمية، وبقينا أحرارا أوفياء أسوياء، لم يتمكنوا من تشويه عقولنا ولا إفساد فطرتنا ولا طمسوا بصيرتها، ولم نفقد اتزاننا وما انسقنا وراء السراب، ما ضحكوا على عقولنا ولا جرَونا لمستنقعاتهم.

لا تفهم من ذلك مبالغة أو اغترارا ولكن ذلك ما حدث، تسلحنا بالشجاعة، وكان كثيرون يرون أن بلادنا الموبوءة لا تستحق شجاعة ولا صراحة، فالمهزوم محتال على نفسه وعلى شعبه أكثر مما تتخيل، فأن تعيش متخفيا من الصراحة أسهل للمعيشة وعار على القيم، وللأسف ارتضى كثيرون زمنًا أن يعيشوا كذلك فسقطنا بين بين، كما كان سقوط بلداننا مريعا، لكننا لم نستسلم لليأس والأراجيف، وصنعنا ما قدرنا عليه، وهناك أعمال كثيرة تنتظرنا استعدادا لما هو قادم، كلها استمرار لذلك الحريق المستمر الذي لا يرحم ولا يكاد ينطفئ.

ومأساة العقل الهزيل الضيق الموبوء، أنه يمنع نفسه من التطور والتبصر ويحول دون تطوره بنفسه، ويمنع مجتمعه من صياغة أي حل للمآسي التي يصنعها، ولا يقدر على التراجع عن أخطائه، لأن الضعيف يتخذ قرارا ضعيفا، ويتورط فيه ولا يملك الشجاعة للخلاص منه..ولسنا أمام ترف الاختيار والتأمل، ولا وقت لدينا للإغراق في اللحظة ومتعة الانتظار والتجريد والبكاء على الأطلال، فإما أن نتجاوز الحفر وننهض مجددا وإما أن نغرق في الحالة الكربلائية.

ولا يملك المستبدون أن يستذلوا ويستخفوا بالجماهير إلا برغبتها، فهي (الجماهير) دائما قادرة على التصدي لهم لو أرادت، والذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء، وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها المستبدون..والوعي في بيئة القمع مُطارد، وربما مُجرَم، وأصحابه مُحاصرون.

كان زمننا قبلُ ساكنا خاملا ميَت الرَوح، واليوم دنيا الناس تغيرت، ولو لم نتحلَ بالجرأة والاندفاع الواثق لما صنع الإنسان شيئا في حياته ولا غامر ولا نجح ولا تعثر. وقناعتي أن هذا المخاض العسير سيُفرز وعيا متقدما، وعقولا راجحة مستوعبة، مرَت بنا أوقات عصيبة ونعاني قحطا وجفافا، وضيعنا وقتا في الانتظار الوهمي، الحراك أعطانا فرصة وأبان عن فقر شديد في عملية إدارة الصراع، ربما استُنزفت عقول وطاقات في صراعات سياسية في العقود الأخيرة، غرقنا في اللحظة وتهنا في تفاصيلها، وغاب عنا الاستشراف وما بعد اللحظة، واستفقنا في الحراك وما بعده على حالة انكشاف وفراغ رهيب، وما علينا إلا النهوض مجددا وصناعة عقول راجحة نابهة، وكل يجتهد فيما يقدر عليه أو يحسنه، المهم أن لا يجلس أحدنا متفرجا ينتظر خروج "المهدي" من السرداب...

ولا يستبدَ بنا الحرصُ على استعادة ما فات وانقضى، فإن فات فقُل مات، ورُح لما بعده. ولا تأسفنَ على ما مضى، فكم حرصنا على ما تخيلناه دُررا وضاع فلا تذهب نفسك عليه حسرات فما هو أغلى ذاهب لا محالة...وكم من شخص كُنا نعول عليه أو نراه النجم الساطع، ثم هوى في أعيننا بعد انكشاف وتمحيص، وما كان صوابا أمس قد يكون سقطة اليوم...وما يمكنك فعله لا تتأخر عنه..والأهم، الآن، هو القادم، ماذا أعددنا له؟ وبأي عقل؟

قراءة 49 مرات آخر تعديل في الأحد, 22 جانفي 2023 12:30