الأحد, 01 ديسمبر 2019 07:04

نعم الحراك مجرّد شرذمة مميز

كتب بواسطة : بقلم عبد الله كمال: صحفي ومدون / @عبد الله كمال

استعمل قائد الأركان الفريق، قايد صالح، في أحد خطبه مُصطلح "الشرذمة" من أجل وصف المشاركين في الحراك الشعبي المستمرّ منذ 9 شهور، وبغضّ النظر عن الخطأ الفادح الذي وقع فيه كاتب خطابات الجنرال، باستعماله مُصطلحًا قرآنيًا يصف أتباع النبي موسى عليه السلام الذين خرجوا على فرعون في قوله تعالى في سورة الشعراء: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، أي أنّ الجنرال هنا يشبّه أهل الحراك بأتباع موسى، وبالتالي فإنه يكون -بنفس المنطق- فرعونًا!

بغضّ النظر عن هذه الهفوة المتوقّعة، فكلّما كثُر كلام الزعيم وإطلالاته الإعلامية، كثُر معها الأخطاء والزلّات وصار وجبة دسمة للتندّر والدعابة. لكن المغالطة الجوهرية التي أريد أن أطرحها هنا، والتي حسب رأيي يقعُ فيها الحراك والسلطة معًا، هي التفكير بمنطق الأكثرية والأغلبية. السلطة تأكّد على أن الحراك مجرّد شرذمة، ولا يمثل إلا أقلية أمام باقي شرائح المجتمع التي تدعم مسار السلطة، وأن الأغلبية الصامتة التي لا تشارك في الحراك هي بالضرورة مع السلطة، بينما يردّ معسكر الحراك بالصور التي تظهر مئات الآلاف من المحتجّين في مختلف الولايات للتأكيد أنّ الحراك يمثّل صوت الأغلبية، كما تُجرى مقارنات بين أعداد "المسيرات العفوية" المؤيدة للسلطة، وتلك المُعارضة لها، ثم يخرج باستنتاج أن الحراك يمثّل إرادة الأغلبية.مشكلة هذا التفكير هو أنّه يُظفي على الأغلبية تلقائيًّا صفة الصوابية والمشروعية، وهو بالمناسبة نفس النقد الموجّه للديمقراطية عادة، ماذا لو كان خيار الأغلبية كارثيًّا؟ ألم توصل الأغلبية ترامب إلى رئاسة أمريكا؟.

بالعودة إلى الثورة التحريرية فإننا نجد أنها بدأت بمجموعة نخبويّة ضيّقة ممثّلة في مجموعة 22 ولم تتحوّل إلى ظاهرة مجتمعية واسعة التأييد إلاّ بعد اندلاعها وتحقيقها لانتصارات باهرة بعدها بسنوات، رغم ذلك فقد بقيت قطاعات واسعة من المجتمع الجزائري معزولة عن الصراع الدائر بين جبهة التحرير والاستعمار الفرنسي، بل إن قطاعات واسعة -قد يُجادل البعض بأنّها كانت أكثر من عدد المنخرطين في الجبهة- كانت منخرطة في النظام الاستعماري سواء بالعمل معه أو داخل صفوف الجيش أو باقي المؤسسات الحكومية، وبالتالي فإنه بمنطق "الشرذمة" والأقلية والأغلبية، فإن ثورة التحرير لا تحوز على المشروعية بسبب افتقادها تأييد الأغلبية.

على الحراك الشعبي أن لا يستسلم لمُغالطة "الأغلبية والأقليّة"، حتى لو كان المدافعون عن الحراك أقليّة قليلة ومجرد "شرذمة"، كما وصفهم قائد الأركان، حتى لو كانوا يعدّون على الأصابع أمام سيْل من المعترضين عليهم، فإن مشروعية الفِعل تنطلق من صوابه لذاته لا من تأييد الأغلبية له أو عدمها، وبالتالي فحتى لو انقلبت موازين الشعبية مستقبلاً بين الحراك والسلطة، وصارت مسيرات السلطة تشهد أعدادًا مليونيّة بينما تقلّصت أعداد الحراك إلى بضع عشرات، فإن ذلك لن يعني شيئًا بالنسبة لصوابيّة الفعل نفسه.

من خلال تجربة الربيع العربي والحالة المصريّة بالذات، رأينا بأنه: نعم، يمكن خداع الأغلبية والتغرير بالجماهير، واصطناع حالة احتجاجيّة تُحشد لها الملايين من خلال ألاعيب الإعلام والأذرع المخابراتيّة لتحريك الشارع كما حدث مع أول رئيس جمهورية منتخب في تاريخ مصر د.محمد مرسي، والذي لم يُكمل السنة في كرسي الرئاسة لتخرُج أعداد قُدرت بالملايين تُطالب برحيله، وتمهّد هذه الاحتجاجات لانقلاب عسكري فتح الباب لأحد أسوء الأنظمة القمعية في العالم العربي.

صحيح أن صور الجماهير الغفيرة وهي تحمل الأعلام وتردّد الشعارات الوطنيّة تجعل جلودنا تقشعّر وتحرّك فينا عواطف الوطنيّة، لكن على المثقف الحقيقي عند الانجرار وراء الموجات الجماهيرية وعدم إصباغ صفة الصوابية عليها لمجرّد كونها تمثّل رأي الأغلبية في حينها، فكما أن المثقف يخوض في أغلب الأحيان معركة مع سطوة السلطة، فإن سطوَة الجماهير قد لا تقلّ خطورة.

قراءة 304 مرات آخر تعديل في الأحد, 01 ديسمبر 2019 08:02