السبت, 14 ديسمبر 2019 11:42

عن المسار السياسي للحراك: في الصواب الجماعي لا التفرد والتضخم مميز

كتب بواسطة :

تنويع مسارات وأدوات الضغط على السلطة الفعلية، وإسناد الشارع وحركة الرفض الشعبي بقوة دفع سياسي، بحركة جامعة أو تكتل سياسي ناهض أو ...هذا من واجبات الوقت، لكن مهم التنبيه إلى أن ثورتنا السلمية الواعية المؤثرة صنعها تراكم وعي جديد، ولكل ثورة عقلها ومنطقها ووعيها..لغة ومنطق السياسة القديمة البالية عبء على الزمن الثوري الذي نعيشه..حراكنا له عقل ووعي والأصل أن نواكبه وننضجه، لا أن نُكبَله بأنماط تفكير قديمة...

والتنظير المجرد لا يخدم سياسة الحراك، ولا لغة التفرد والعقل الواحد..ومحاولة الوصول إلى قدر من الصواب الجماعي داخل الحراك، قبل الحديث عن أي تفاوض مع السلطة الفعلية أو شروطه، تجنبنا كثيرا من عثرات ومطبَات الماضي القريب والبعيد، وهذا القدر من الصواب الجماعي يعصم من حالات التضخم والتفرد التي قصمت ظهورنا في التجارب السابقة..

ذلك لأن الصواب لا يُحتكر، كما أنه ليس بمقدور المتصدر للرأي وصناعة الموقف والتأثير -مهما علا قدره- أن يُوفَق للصواب منفردا في كل حين وآن، خاصة مع اضطراب الأوضاع وتشابك الأحداث وتسارعها وصمود الحراك وتصميمه وما حققه من مكاسب على أرض الواقع والتحولات التي أحدثها في الوعي والتفكير، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجموعة الواحدة، التي ترى برأي واحد ويغلب عليها التماثل والتطابق، لأنه لا يعدو أن يكون حوارا داخليا مع "الأنا"..

والمسلك الحواري أو الشراكة في الرأي والنظر وصولا إلى الصواب، نتجاوز به الآليات الاستهلاكية التي توسل بها تيار الإصلاح في الوطن العربي (على اختلاف مدارسه الفكرية وتياراته السياسية) في صناعة الرأي وعملية التأثير، وغلبت عليها المجاملات والسطحية والطابع الانتقائي أو التجزيئي أو"الفرداني" أو التجريدي.

والواقع أن بعضنا وإن أبدى اهتمامه وحرصه باعتماد المسلك الحواري، من المحسوبين على الحراك، لكنه ما لبث أن وقع في التناقض عند الممارسة العملية، ومن هنا برز تعارض بين التصور النظري وبين المنهجية التي اعتمدها في تطبيقاته. إذ إن هناك تداخلا بين الحوار، قيمة وآلية، وبين الصواب، ويتجلى هذا في الشراكة في طلب الصواب والرأي السديد، وهنا يبرز أهمية المفهوم الجماعي للصواب، وهذا لا يعني بحال من الأحوال الدعوة إلى وحدة الرأي، فهذا مما يتعذر تحقيقه ولم نطالب به أصلا، وإنما أن تُتداول الآراء، على اختلافها وتعددها وتراكمها، وتخضع للمحاورة والنظر الجماعي.

يعني في الأخير أن يكون الرأي نتاجا لشراكة في التداول والنظر لا أن يصدر من جهد وعمل فردي مجرد، باعتبار أن هناك تداخلا، وليس تلازما، بين الصواب والمحاورة. وبهذا يمكننا، على الأقل، أن نخفف من حدة التضاربات وفوضى الأفكار والمبادرات وكذا مظاهر الحيرة والقلق والاضطراب.

قراءة 294 مرات آخر تعديل في السبت, 14 ديسمبر 2019 19:38