طباعة هذه الصفحة
الأحد, 05 جانفي 2020 21:28

موجة "الفرنسية" تجتاح حكومة البُؤس: عُقدة كره الذات مميز

كتب بواسطة :

موجة التحدث بالفرنسية لمعظم وزراء حكومة باهتة مُعيَنة (تنتمي إلى العهد القبلي العشائري وزمن الولاءات الضيقة) في العهد "الباديسي النوفمبري" الذي ضحكوا به على عقول مُغفلين وسُذَج، إنما تُجسد عقدةُ كره الذات، من وزير "إسلامي" المنبت إلى أصغر وزير مولود في منتصف التسعينيات؟؟ ودّ كثيرٌ منهم، ومن أمثالهم، اليوم، لو وجدوا سوقا يدخل إليه أحدهم فيقتني جلدا غير جلده ولسانا غير لسانه. سوق يدخل إليه الإنسان، فيرى سَحَناءَ بألوان مختلفة وألسُناً برطانات متباينة للبيع فيقتني من سحنائها ما يشاء، ثم يخرج على الناس بجلد غير جلده ولسان غير لسانه العربي.

تتبدى هذه الأمنية في التعالي على اللغة العربية. وأكثر هؤلاء من طينة المُقلَد الببغائي، فلا فرق بينه وبين غيره ممن سبقوه من حُمّال شعارات الانهزام الثقافي مطلعَ القرن الماضي، حتى وإن ترعرع بعضهم في بيئة عربية محافظة. فالعربية لغة كُتب بها في كل فن، وإن بقي تقوقع للفصحى وحصر نخبويّ لها، فذلك ناتجٌ عن فشل التعليم والأمية والأنظمة المستبدة، لا اللغة في ذاتها. ومن نشر لغته نشر عزته.

ومادة "اللغة الإنكليزية"، مثلا، ملازمة للتلميذ في بريطانيا حتى في الجامعة. أما عندنا، فيرى التحرر من العربية بداية التحضر؟؟ ولعل أبدع من عبر عن ذلك جبران خليل جبران (وهو ليس من هؤلاء الانهزاميين) حين قال: "إن وضع اللغة تابع لوضع الأمة التي تتكلمها. ففي الجاهلية كان الشاعر يتأهب لأن العرب كانوا في حالة تأهب؛ وكان ينمو ويتمدد أيام المخضرمين لأن العرب كانوا في حالة النمو والتمدد..".

والفصحى ليست المشكلة، ولا هي عقدة، بل الجهل والأمية والتخلف ومعاداة الذات وكرهها، والعربية ليست مشكلتكم، بل اللغات الأجنبية والانهزام النفسي أمام الثقافة الغربية المهيمنة وموجة "الفرنسة" المعاكسة لوهم "النوفمبرية الباديسية"، عندما سقطت الأقنعة وكشفت السلطة عن وجهها الحقيقي.

ولا رابط بين هؤلاء الوزراء البُؤساء غير التملق للموجة المعاكسة ومن وراءها. وربما اصطلحوا، من غير تواعد، على تقديم قرابين للسلطة التي عينتهم، دون أن تجمعهم رحم ثقافية أو خميرة اجتماعية. فهم أوجه متشاكسة، وسُحَن ثقافية متنافرة، تتملق وتسترضي النغمة الجديدة القديمة. وأكثر الوزراء "الحداثويين"، ممن زُرعوا في حكومة البُؤس، يتحدثون بالفرنسية لأنهم يعانون خوفًا مرضيًا من مجتمعهم، فهم يدركون أن المجتمع لا يثق فيهم ولا يعترف بهم، فلا يقدمهم في لحظات الاختيار الحر غالبا، لذا لا يجدون أنفسهم في السلطة إلا على ظهر دبابة أو متحالفين مع مستبد.

ولهذا، تجد هذا الذي تطارده العقد مضطرا للعيش بشخصية انفصامية، والعيش بهذا الانفصام يُخلّف شرخا عميقا في النفس البشرية يُترجم حزنا وخوفا من المجتمع وتوترا مُزمنا.

وما نراه اليوم فصل من قصة "التفريغ الثقافي" لجيل المدارس والجامعات المُفرغ من كل أصول ثقافة أمته، مصدوما بالتردي والبؤس ومنبهرا بثقافة وسياسات عالم الغزاة الناهبين، ولأنه غير ممكن أن يظل الفارغ فارغا أبدا، فقد تم ملء هذا الفراغ بتشوهات وتجريف. دُلَوني على بلد يحترم نفسه وشعبه وإرثه ولغته يتحدث مسؤولوه بغير لغتهم؟؟ و

وهذه باريس التي صنعت عقدتكم، قامت مؤسسات فرنسية عدة تُعنى باللغة بحملة شهيرة تحت عنوان "علينا أن ننقّي لغتنا"، وأجرت إحصاء بالمفردات الإنجليزية التي يستخدمها الفرنسيون في حياتهم اليومية والعملية، إضافة إلى طلاب المدارس والجامعات ووسائل الإعلام. وانكبت مؤسسات لغوية علمية على "فرنسة" ما أمكنها من ألفاظ وعبارات إنكليزية في هدف الحفاظ على لغة موليير.

وقد وجهت الأكاديمية الفرنسية، حصن اللغة والآداب في فرنسا، نوعا من العتب إلى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بسبب استخدامه منذ توليه الرئاسة، بل إصراره على استخدام عبارات مأخوذة من الانجليزية. وذكرت الأكاديمية في بيان لها أن الرئيس ألقى في أكتوبر2018 خطاباً "مرصعاً" بمفردات وجمل إنجليزية أو "فرانغلية" وتحديداً قبل أن ينضم إلى القمة السابعة عشرة للفرنكوفونية. هذه العبارات لم تمر مرور الكرام، ذاك أن مستقبل اللغة الفرنسية كان أحد الموضوعات المهمة المطروحة على طاولة القمة. وقانون "توبون"، الذي أقر العام 1994، القصد منه إثراء اللغة الفرنسية، ويفرض على الأشخاص الذين ينتمون إلى أفق الحق العام والإدارات العامة استخدام التعابير الفرنسية.

قراءة 548 مرات آخر تعديل في الإثنين, 06 جانفي 2020 18:15