الخميس, 16 جانفي 2020 14:51

القطيعة مع مدرسة "الكذب الإعلامي" مميز

كتب بواسطة : د.بوجمعة رضوان / أستاذ الإعلام

الكذب في المنظومة الإعلامية الجزائرية قصة قديمة، لكنه تطور في الآونة الأخيرة ليصبح الأصل! عدد الأخبار الكاذبة التي نشرتها الصحافة في الجزائر منذ عشريات من الزمن كثيرة، لكن الأخبار الكاذبة التي تم نشرها وبثها وإذاعتها منذ انطلاق الثورة السلمية الشعبية في فيفري الماضي، كافية لتحرير "موسوعة الأخبار الكاذبة".

فإذا كانت الأخبار الكاذبة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان هدفها عزل بعض رموز المعارضة عن الشعب الذي خرج مدمرا من استعمار غرس الجهل والأمية والعنف، فإن الكذب الإعلامي في تسعينيات القرن الماضي كان هدفه تبرير القتل والقمع والاختطاف والتعذيب، في حين أن هدفه منذ سنوات بوتفليقة إلى اليوم منع أي حديث عن محاربة الفساد والاستبداد.

الأخبار الكاذبة كثيرة منذ أزمة صيف 62 إلى اقتراع 12 ديسمبر 2019، فقد نشرت الصحافة الجزائرية خبر اغتيال كريم بلقاسم مثلا في نوفمبر 70 برواية الانتحار نتيجة أزمة عاطفية، وهي بالإضافة لكونها رواية كاذبة، فهي مسيئة لتاريخ الجزائر قبل أن تكون إساءة للرجل الذي قاد مفاوضات الاستقلال كما قاد الثوار في الجبال، والأخبار الكاذبة كانت متنوعة ومتعددة وضحاياها من كل الأطياف والمشارب، فهي التي بررت اختطاف عالم الرياضيات عضو رابطة الدعوة الإسلامية "محمد بوجلخة" من قبل تنظيم "لوجال" ليُرمى وهو حي يرزق ومكبل في مزبلة الحي الذي كان يقطنه بالعناصر، ونشرت الصحافة أنه هو المخطط لاغتيالات المثقفين والصحفيين!

الأخبار الكاذبة لاحقا طالت كل المعارضين، فآيت أحمد مثلا بعد دخوله الجزائر وبسبب رفضه الانخراط في استئصال الإسلاميين، نشرت إحدى الصحف خبرا مفاده أنه على علاقة عاطفية بسكرتيرة له وبأن هذه الفتاة قد حملت منه عن طريق علاقة غير شرعية، بينما الحقيقة أنه لم يوظف حتى سكرتيرة، والشخص الوحيد الذي كان يساعده وكان أحد مقربيه رجل يدعى محفوظ، وكان يضمن له الحماية وعمل السكرتاريا...في الوقت نفسه، فما كان لآيت احمد في ندوة صحفية إلا أن يخاطب الصحفيين بالقول: "أدعو السيد محفوظ ليقول لنا في أي شهر وصل حمله".

الأكاذيب كثيرة ومتعددة، منها ما قامت ببثه كل القنوات التلفزيونية الخاصة، وهو القول بأن الرئيس بوتفليقة في غيبوبة 48 ساعة قبل استقالته، وآخر هذه الأكاذيب إعلان زيارة المجاهد لخضر بورقعة للفريق توفيق مدين في المستشفى، ثم إعلان وسائل إعلامية أخرى عن وفاة هذا الأخير...

الكذب الإعلامي ظاهرة مرتبطة بالنسق الإعلامي المبني على الريع والدعاية، وارتباط الشرطة السياسية بذلك، ولهذا على وزير الاتصال، الذي يعرف القطاع جيدا ويعرف من يسيره، أن يتحدث بالأساس عن تغيير هذا النسق قبل الحديث عن الانتقال الرقمي، لأن الانتقال الرقمي من شأنه أن يفضح الجزائر أمام العالم بسبب تفشي الرداءة والجهل، فهذا الانتقال الرقمي سيعولم الكذب الإعلامي ويشوه الجزائر كدولة وأمة..

كما إنه من الأحسن في الوقت الراهن أن يقوم الوزير بنشر أرقام الريع الإشهاري وديون المطابع ليضمن حق المواطن في معرفة كيف يتم صرف المال العام من أجل صناعة الكذب، وكيف يتم تحويل ملايين الدولارات سنويا من أجل دفع حقوق البث لقنوات تلفزيونية غير قانونية أصبحت تهدد الأمن القومي والنسيج الاجتماعي. الجزائر الجديدة هي الجزائر التي تبني منظومة إعلامية مهنية تبدأ بالقطيعة مع الكذب والدعاية والتضليل.

قراءة 344 مرات آخر تعديل في الخميس, 16 جانفي 2020 15:01