الإثنين, 20 جانفي 2020 09:15

على رسلكم .. الثورة مستمرة: لم كل هذا التطاول على الحراك؟ مميز

كتب بواسطة :

"الحراك فقد بوصلته".."الحراك عجز عن اختيار ممثليه".."السلطة في أريحية لأن الحراك لم يقدم ممثليه ليتفاوضوا أو يتحاوروا مع الحكم...".."ثورتنا غير انقلابية ولكنها إصلاحية، ولكنها لا تملك الأدوات لذلك.."..هذا كلام أحد الداعين إلى ما سماه "مؤتمر الحراك الجامع"... لم كل هذا التطاول على الحراك؟

أولا: دعنا من تصنيفات المفكر عزمي بشارة "ثورة إصلاحية (السودان) وانقلابية (إيران)، فتنظيره للثورات تجريدي أقرب إلى التفلسف.. في السودان، سَوقوا لتقاسم سلطة، لكن تبين لعديد من الثوار، بعدها، أنه ضُحك على عقولهم، فلم يزل القرار بيد العسكر..وفي إيران، القصة مختلفة تماما، كانت ثمة ثورة شاملة دموية، وضعت حدا للتبعية المذلة، لكنها حكمت بقبضة حديدية، والإعدامات ومحاكم الثورة ضمن لقادتها البقاء والحكم والسيطرة، وليس هذا أوان الخوض في تفاصيلها، وللمهتمين أن يقرأوا كتاب: "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة"، لكاتبه الباحث في علم الاجتماع المثقف الإيراني "إحسان نراغي".

ثم قبل هذا وبعده، ليس للثورات دليل تسترشد به، ولا خريطة طريق تلتزم ها حرفيا، ولا هي وصف منضبط، تتعلم من الدروس القاسية وتستفيد من التجارب المريرة، وتصنع يومها وغدها انطلاقا من الحقائق لا بما تمليه الأوهام والأماني والفلسفات، وبما تراه ممكنا يواكب وعي جيلها ونضج ظروفها..

ثانيا: الحراك لم يعجز عن اختيار ممثليه، بل اختار عدم التمثيل عن وعي وتبصر وبيَنة من أمره...وفرق بين هذا وذاك..والوقائع أثبتت صحة اختياره، في حدود الممكن...فلا السلطة الفعلية أظهرت أي استعداد، ولو في حده الأدنى، للانفتاح على التغيير العميق أو أظهرت قدرا من الإرادة السياسية الدافعة نحو تغيير حقيقي تدريجي، لأنها ببساطة ترى الحكم حكرا عليها. فما قيمة أي تمثيل أو قبادة، ثم حتى وإن انبثقت من الحراك قيادة، فمن كان سيلتقيها؟ كريم يونس، أو تبون يسمع "انشغالاتها"؟ فالقضية ليست في القدرة على الاختيار، ولكن في قيمة وفعَالية الاحتيار وما يترتب عنه؟ ومثال السودان لا يخدم القائلين بالتمثيل، فربما لا يدرك من استشهد به بأنه كان إقصائيا مُؤدلجا، أثار انقساما أكثر مما استجاب لضرورة ملحة..وليس هذا مقال تفصيل هذه المسألة..

ثالثا: الانتخابات الرئاسية لم تكن عرضا من السلطة، هذا تدليس مكشوف للحقائق، بل كانت نهجا أحاديا متسلطا فرضته المجموعة المسيطرة على القرار "أحب من أحب وكره من كره"، فهل يُعقل أن نصف المفروض بالعرض؟ بل ثبت، حتى لكثير ممَن تحمس لها، أنها كارثة سياسية، أتت برئيس ضعيف هزيل يترنح في وقت عصيب ووضع مضطرب، فلن يرضوا بالقوي المنتخب شعبيا ينزاهة وحرية، ولا بحاكم توافقي بناء على أرضية مشتركة، فكانت الانتخابات السريعة الخاطفة التي أُدريت من غرفة التحكم والسيطرة إنقاذا لحكم السلطة الفعلية بتنصيب واجهة مدنية هشة منزوعة القرار والإرادة، ولا علاقة لها بمسار دستوري ولا بفراغ مؤسسي ولا بإنقاذ الوضع.

رابعا: رجاء، البعد عن التجريد ما أمكن، ما البوصلة التي فقدها الحراك؟ ماذا تعني بـ"البوصلة"؟ هل الرؤية؟ أم القضية الجامعة؟ أم الفكرة الحاشدة؟ أم ماذا؟..

قضية الحراك، أولا وأخيرا، اليوم وغدا، هي الشرعية، من تنازل عنها، فقد لا يرى معنى للحراك الآن ولا قيمة لاستمراره..إسقاط الخامسة كانت القضية الجامعة، وهذا صحيح، ولكنها في الأخير ليست إلا جزءا من القضية الأعمق والأكبر: الشرعية، وهي عقدة العقد ومعضلة الحكم المتغلب المزمنة، ولهذا سارعوا بانتخابات باهتة مفروضة صُنعت على أعينهم، ليتخلصوا، ولو إلى حين ولو جزئيا، من هذه العقدة، ولكنها بصنيعهم المتغطرس الأُحادي عمَقوا الجراح أكثر، وفضحوا حقيقة حكمهم وانكشف الغطاء، وأظهروا لكل الشعب أن الحكم بيد أقلية مسيطرة متغلبة، وأن الرئيس لا يمثل إلا واجهة لحكمهم، ظهر هذا جليا في الفترة التي سبقت الانتخابات، وما بعد التنصيب لم يتغير الوضع، وإلا لما أصروا على تعيين أضعف رئيس منذ الاستقلال..

خامسا: لن يتغير النظام من داخله، وإنما يُرغم على التنازل إرغاما، يسمونه "الضغط المُلجئ"، فما لم يشعر بضغط شعبي وسياسي رهيب ومستمر وقوة دفع، فلن يتنازل، تدريجيا، ولا أقول يتغير، لأن التغيير يأتي من خارجه وليس من داخله، والتركيز على حشد الضغط وتنويعه وتأمينه هو التحدي الأكبر للحراك، اليوم، لأنه الورقة الوحيدة التي تُربك السلطة وتعمق أزمتها وتدفعها دفعا..

أما فكرة "مؤتمر الحراك الجامع"، فنتركها لأوانها..

قراءة 362 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 21 جانفي 2020 18:23