طباعة هذه الصفحة
الأربعاء, 22 جانفي 2020 09:36

وجهة نظر: الحراك الشعبي والسياسة ... المبدأ والتطبيق مميز

كتب بواسطة : د.محمد عقبة القاسمي الحسني / طبيب وكاتب

كثيرا ما ينتقد الحراك الشعبي أنه عاطفي ولا يمتلك منطقا سياسيا ويغرق في المثالية ويمارس الديكتاتورية، ولا يرغب من فاعليه أن ينخرطوا في مسار سياسي يحاور به السلطة او يفاوضها على سقف عال من التنازلات . من البديهي أن نذكر بأننا نعيش حالة تاريخية استثنائية وحركة شعبية نجحت في قلب موازين القوى وهزها إلى درجة اهتز فيها نظام الحكم، فتحت مجالا واسعا للحرية، وباسم الحرية التي ندافع عنها كلنا، لا يستطيع أحد ولا يجوز له أن يمنع أي إنسان من نقد المواقف والمسارات فهذا حق مكفول للجميع. لم تكن أبدا المشكلة في النقد، بل النقد البناء أساس مهم وأصل من أصول الديمقراطية ونجاعة تسيير الشأن العام. المشكلة تكمن دوما في الأحكام العامة والقطعية أو المغالطات التي تجعل آفاق الرؤية ضبابية وغير واضحة ومغالِطة. كلنا يعلم أن النظام السابق عمل على تصحير الحياة السياسية، فألحق معظم الأحزاب به وأفقد الحياة السياسية وظيفتها في مراقبة السلطة ومؤسسات الدولة وإحداث التوازن اللازم كي لا يتغول من تصدّر الحكم ويطغى ويصل إلى ما وصلنا إليه اليوم.

الشيء نفسه أصاب المجتمع المدني وجمعياته ومنظماته، فمعظمها آنذاك تحول إلى بوق للسلطة تقتات بفتات عطاياه، وتعمل كلجان مساندة لرأس النظام صالحة للتسويق في كل (عرس) انتخابي. حراكنا الشعبي المبارك جاء في سياق غياب تام لنخبة سياسية أو حتى ثقافية فكرية يعول عليها وفق منظومة تشكلت مسبقا، اللهم إلا بعض الشخصيات أو الناشطين -وهم قلة- لم يتمكنوا من تأسيس قطب معارض يحوز الشرعية المعنوية والسياسية لقيادة الحراك الشعبي. لذلك، علينا الإقرار بأن وعي الشعب، متجسدا في حَراكه، تجاوز وعي النخبة التي فوجئت بثورة لم تخطط لها ولم تعمل لقيامها. على الرغم من ذلك، حاولت الطبقة السياسية المترهلة والضعيفة أن تجمع شتاتها لمرافقة الحراك واقترحت مبادرات وأرضية للحوار والتفاوض مع السلطة، لكنها لم تصمد بسبب ضعفها البِنوي أولا -كما أسلفنا- ولأن السلطة رفضت إشراكها فى حل الأزمة وعزَلتها.

لقد استشرف الحراك الشعبي بأن المعركة الأولى كانت في إسقاط رأس النظام السابق، ثم في تنحية رموز النظام الفاسد، وتعطيل آلياته، لأن بقاء هذه الآليات بأنماط التسيير نفسها ستنتج نفس الرداءة وستوصلنا إلى نفس النتائج.

من الناحية النظرية، كان منتظرا أن يستمر، كما كان في بداية الحراك، فتح المجال السياسي والإعلامي لكل الآراء وكل المناضلين والناشطين، وكل من يستطيع أن ينتج اقتراحا ومبادرة تتشكل من خلاله، تدريجيا، طبقة سياسية جديدة بديلة ينخرط فيها الشباب، ويمكن التعويل عليها في إدارة العملية السياسية. وهذا الأمر يأخذ وقتا، وهو الوقت الضروري لاستواء كل عملية تغيير ونضجها، وهذا يعني أن تكون هناك مرحلة وظيفتها تحديد معالم النشاط السياسي وقواعد اللعبة، يمكن تسميتها بمرحلة انتقالية في إطار دستوري، والأهم فيها أن تكون توافقية بين السلطة وشخصيات وطنية ذات مصداقية يثق فيها الجزائريون.

الذي حصل، أن السلطة الفعلية رفضت هذا التوجه بإغلاق الساحة السياسية والإعلامية قسرا، وكُممت أفواه كثير من الناشطين بالسجن بإيداعهم الحبس المؤقت الذي طال شهورا، وعُطّل الإعلام عن مهمته في كشف الحقائق، فمُنع من تغطية الحراك، وفقد وظيفته ومساهمته الفعالة في إنتاج خطاب سياسي ناضج ومسؤول، وفتح نقاش عام حول القضايا الكبرى وإدارة التغيير والانتقال الديمقراطي.

للأسف، السلطة الفعلية أرادت أن تعطل هذه الحركية الاجتماعية التي كانت لتفرز مناخا سياسيا عاما إيجابيا يمكن من خلاله ممارسة السياسة الحزبية وفق قواعد لعبة متحررة من سلطة السلطة التي تمتلك القوة، وتزول فيها عادات النظام السيئة في توظيف السياسيين ورشوتهم بالمناصب، وتوظيف الثورة التحريرية وقضايا الذاكرة والروح الوطنية لإنتاج خطابات عاطفية جوفاء وشعارات بطريقة شعبوية فقدت صلاحيتها.

ورجوعا إلى ما يُصطلح عليه بالعقل السياسي الواقعي، على عكس ما يعتقد وما يروج له معارضو الحراك الشعبي ومنتقدوه، فقد استشرفت الجموع الشعبية إلى أن الانتخابات الأخيرة ستفرز مرشح السلطة وأن دخولها سيعطي الشرعية له وسيضعف الموقف التفاوضي للحراك.

وما كان متوقعا قد حصل فعلا، فقد كانت انتخابات بلا مفاجئات، انتخابات عوض أن تأتي في جو جامع تحولت إلى عامل انقسام فضيع، أجج حالة الاستقطاب، فسقطت معنويا وسياسيا قبل أن تسقط حسابيا. أما الأهم، فهو الواقع الجديد بعد الانتخاب. كانت السلطة الفعلية تريد الحسم في موازين القوى بينها وبين الشارع بشرعية انتخابية مستعجلة شكلية، تُغلب الكفة لصالحها وتضعف بها الحراك، لكنه بوعيه المتجدد تجاوز الصدمة بعد الانتخابات وخرج بجُمَعٍ متتاليات أثبتت أن عامل الوقت وطول المدة لم ولن تضعف إرادته وعزيمته في تغيير حقيقي. لقد بقي الحراك مناكفا لبقايا النظام ضاغطا عليه وحاجزا يمنع محاولات ترميمه بواجهة سياسية جديدة، وكي لا ينجح النظام المتهاوي في ترسيخ بدائل جاهزة متشبعة بأسلوب الإدارة القديمة وخطابها الديماغوجي المتعالي والشعبوي.

والعملية السياسية ليست قضية تقنية وجمعيات حزبية وتنافس انتخابي، بل هي ابتداء ظاهرة حضارية تنخرط فيها كل طاقات المجتمع وتعبر عن نفسها وعن تطلعاتها ومشاريعها الفكرية والمجتمعية من خلالها، تتأسس في محيط اجتماعي مفتوح قوامه حرية الرأي والموقف، وحرية الإعلام؛ وهذه بالتحديد أولى الأوليات التي يعكف الحراك على ضمانها.

لقد أتاحت قرابة سنة من الحراك المبارك نقاشا مجتمعيا مفتوحا ببساطته وتعقيداته، بسهولته وصعوباته، بإيجابياته وسلبياته، لكنه يبقى ضرورة حضارية ومقتضى مهما من مقتضيات التغيير. كما أفادت هذه الأشهر العشرة في انتظام الشباب في مجموعات وشبكات ومنتديات تواصلوا من خلالها من كل نواحي الجزائر، وقربت مسافات الأفكار والمواقف، وساهمت في التأطير الضمني والداخلي للحراك، وتنسيق النشاطات والفعاليات الداعمة له والمرشِّدة لمساره، وتجاوز التحديات المعادية له وما أكثرها.

هذا هو المسار الطبيعي الذي سيفرز، عاجلا أم آجلا، تشكيلات سياسية جديدة، تخوض غمار المنافسة في جو سياسي طبيعي بقواعد لعبة واضحة وثابتة لا تعبث بها السلطة ولا تغيرها على حسب هواها، فميزان السلطة هوَى وميزان الشعب ارتفع. ومن هنا وصاعدا لا هوًى فوق هوى الشعب. هذا هو الحراك الشعبي وهذه هي وظيفته، لن ينتظر أحدا ولا ينتظر أن ينتظره أحد!

ملاحظة: مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة.

قراءة 250 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 22 جانفي 2020 09:47