الإثنين, 27 جانفي 2020 08:44

ليس ثمة قوة قادرة على فرض التغيير إلا حراك الضغط الشعبي.. مميز

كتب بواسطة :

من أغرب ما سمعته هذا الصباح: "النظام، حتى الآن، لم يتغير ولم يعالج مشكلة الشرعية والمشروعية"؟؟ وهل النظام هو الذي يغير؟ النظام لم ولن يغير، لم ولن يعالج معضلة الشرعية، إذا عالجها يعني يأذن لنفسه بالرحيل، وهل روى لنا التاريخ المعاصر قصة سلطة رحلت بكامل إرادتها، أو أذنت لنفسها بالرحيل، ابتغاء مرضاة الشعب؟؟؟

التغيير لن يكون إلا بضغط شعبي دافع وملجئ، غير هذا أضغاث أحلام..مهما بلغ الصراع السياسي، هناك مبادئ مُجمع عليها تبقى فوق الصراع، وإذا صارت السلطة هي الدولة وفوق كل مبدأ، فهذا يعني أننا في غابة...وما يحدث، منذ فترة، يُنذر بخطر تضخم السلطة الفعلية وتوسع سيطرتها...والانبطاح يُغري بمزيد طغيان وتوغُل، لذا فصمود الحراك الشعبي يعني وجود قوة ضاغطة مؤثرة مضادة تقاوم، سلميا، هذا النزوع المريع الفظيع نحو دولة حكم التغلب والقهر..

وما يُسمَى "معركة الدستور" وهم تسوقه السلطة..ما قيمة الدستور في ظل سلطة التحكم والتغلب والقهر...لا تخضع لا  للرقابة ولا للمحاسبة، ولا تُسأل عما تفعل...

المعركة الكبرى التاريخية التي يخوضها حراك الشعب ضد الاستبداد والطغيان، وسلطة التغلب والقهر السياسي..معركة مستمرة طويلة، يحاولون كسرها بسياسات الإلهاء والصوارف، وإشغال الرأي العام بمناورات وتحركات موهمة، مثل "تعديل الدستور"، ليظل الحكم خاضعا لسيطرة الأقلية المتغلبة، صاحبة القرار الفعلي، والطرف الوحيد المقرر، هو من يحدد المعركة، يبدأها في الوقت الذي يريد ويُنهيها في الوقت الذي يناسبه، وكل هذا يُخطط له في غرف التحكم والسيطرة بعيدا عن الرقابة والمساءلة..

وليس ثمة معركة تتقدم على أم المعارك والقضية الكبرى والمرض العضال الذي فتك بأمتنا وبلادنا ومرَغ أنفها في أوحال الفساد والتبعية المذلة وحطم الإنسان والعمران، إنه الاستبداد أصل كل شر وبلاء وتحطيم وحروب أهلية وتدخل خارجي...هي معركة كل عصور الانحطاط، لكنها اليوم حاسمة وأقوى ما نواجهه به هو هذا الحراك الشعبي الثوري الرائع الصامد الشامخ المُلهم المُصمَم...

ليس ثمة صراع داخل الشعب، وإنما هو صراع واحد مصيري، لا غير، صراع بين إرادتين: إرادة الشعب الثائر الرافض، وإرادة السلطة المتغلبة المستبدة...الشعب تحرك وولد من جديد بحرام 22 فبراير، ويتلمس طريق الخلاص السياسي..السلطة فرضت على الشعب خيارها، وصنعت أرقاما ونسبا مزورة مزيفة..والغالبية الرافضة، جزء منها ملازم للساحات والميادين ثائر لا يهدأ، وجزء منها رافض لكن تسلل إليهم الإحباط أو تعبوا وأُنهكوا..وينتظرون ساعة الحسم أو الفرج..وقد يعود بعضهم للشارع، لأنه، يبدرك أنه لا سبيل لفرض التغيير إلا بمزيد ضغط ودفع شعبي وسياسي..

وهذه السلطة لا تؤمن لا بالحوار ولا بشراكة ولا بمراقبة شعبية، والحقوق تُنتزع ولا تُمنح..والحراك يخوض باستماتة وصمود معركة الشرعية وهزيمة الاستبداد، وغير معني بمناورات السلطة الحاكمة وألاعيبها.. والشعب هو أساس السلطة وليس الحاكم... أما الدعوة لـ"الواقعية"، والتعامل مع "سلطة الأمر الواقع"، فهذا من تجريب المُجرَب، فمنذ الاستقلال والشعب يتعامل مع "سلطة الأمر الواقع"، فهل تغير شيء؟ ثم، لا يُكثر من تداول العقلانية والحنكة والحكمة إلا من يتستر على فشله أو عجزه أو تهربه أو تخففه من الحمل والعبء...

وهنا أتذكر تحذير المفكر العربي الأمريكي الفذ "إدوارد سعيد"، من "حضور السلطة المبالغ أو الطاغي في عقل المثقف والسياسي، فيجعله هذا يحظر على نفسه ما لم يُحظر عليه" وقد يتسع الممكن إلى حدود قد تضيقها الهواجس وادعاء الحكمة والعقلانية، لهذا لا يُنصح، في الزمن الثوري، باتباع نصيحة من أعياه النضال أو ثقل عليه الحمل أو أُشبع تخويفا وترويعا أو غلب عليه التفلسف والتنظير المجرد..

ما قبل حراك 22 فبراير ليس كما بعده، ثمة تحولات تاريخية كبرى في إصرار وتصميم حركة الرفض الشعبي، وقد خال عليها الحول، وكتلة الضغط الشعبي الموجبة للتغيير لا تزال تحرك الشارع وتصنع الحدث وتفرض نفسها طرفا مؤثرا في معادلة الصراع..

الأهم الآن، إدراك حقيقة وطبيعة الصراع، وملازمة ضغط الشارع، والاتجاه نحو إسناد حراك الشعب بكتل أو شبكات منظمة ضاغطة، تشكل الظهير السياسي لثورة الشعب، لا تمثله ولا تنوب عنه، ولا تشوش عليه، وليست بديلا عنه، وإنما تقويه وتعزز مساره.. ليس ثمة قوة قادرة على فرض التغيير إلا قوة الشارع بوعيها وعقلها ورؤيتها وزخمها وصمودها وتصميمها..

ولنتذكر أن التحولات الكبرى في حياة الأمم والشعوب لا تحدث كما لو أنها خط مستقيم لا انحناء فيه ولا اعوجاج، وليس لها دليل عملي إرشادات، ولا خريطة طريق مسبقة، وتحتاج لزمن قد يطول قبل أن تستقر نتائجها في أرض الواقع.

قراءة 250 مرات آخر تعديل في الإثنين, 27 جانفي 2020 18:16