الخميس, 30 جانفي 2020 12:19

ما أضعف الثورات إلا مستعجل الحسم والمغفل السطحي والواهم المنساق مميز

كتب بواسطة :

التغيير لا يحدث بالانتظار ولا بالتقادم ولا بالتوقعات ولا بالأمانيَ...والتغيير لا يُؤذن له، ولا يأتي من داخل دوائر الحكم..وإنما يُفرض بالدفع والضغط وتحريك الشارع والنفس الطويل والقدرة على التحمل والصمود...والعقل الغض الطريَ لا يمكنه أن يستوعب هذا، وما أضعف الثورات إلا مستعجل الحسم والمغفل السطحي والواهم المنساق..

وإفشال خطط السلطة إنما يحصل بالمقاطعة والعزلة والضغط الشعبي والسياسي...الحلَ يُفرض ولا يُعرض..وليس ثمة إرادة سياسية لدى السلطة الفعلية للتغيير ولا للتنازل، وكل ما تُقدم عليه من "استقبالات" وتعديل الدستور وما بعده للتمويه وكسب الوقت والبحث عن شرعية تضليلية مزيفة...

ومن يفتح مع السلطة قناة اتصال إنما يعمل على كسر عزلتها ومقاطعتها...وليس أمام السلطة إلا القمع والاعتقالات، وجربته وقد تمضي فيه..هي مفلسة سياسيا محاصرة شعبيا...الاستمرار في مزيد ضغط ودفع يزيدها ارتباكا وتخبطا..

ومن لم يصبر على نهج الحراك ومنطقه فليختر لنفسه طريقا آخر لكن بعيدا عن مسار الثورة السلمية، فالحراك ليس مطية يُركب، ولا سُلما يوصل الطامعين إلى مبتغاهم، ولا جسرا للعبور إلى ضفة المغانم والمكاسب الآنية الظرفية..هو ثورة شعبية سلمية ضاغطة وقوة دفع لفرض تنازلات في اتجاه التغيير الحقيقي العميق لا المزيف..

والحراك ما بغى على أحد، ولا قال لأحد وافقني على نهجي وإلا أسقطتك، ولا أكره أحدا بقول ولا عمل، ولا خاطب أحدا بفعل وقول ما ينبغي...هو حركة شعبية مدنية ثائرة سلميا ماضية في طريق الضغط والدفع، مُستوعبة لحقيقة الصراع، مُدركة لمناورات السلطة، لا تثق في حكم ولا في أي يد ممدودة منزوعة الإرادة والقدرة والقرار...تعتز بمعتقليها وناشطيها وأحرارها وأوفيائها لكنها لم تفوض أحدا، ولا تضع مصيرها وقرارها بيد كائن من كان...

والحراك تجربة بشرية ظنية ثائرة، يصحح بعضه بعضا، ومساحات النقد داخله غير مسبوقة، يُنضج تجربته وموقفه، ويُلقح آراءه بالنظر الجماعي والتداول الحر والنقاش المفتوح والتصويب المستمر... يحكم الحراك حدود الممكن، وطاقة الإمكان، فما لم يكن ممكنا اليوم، فلعل ظروفه المُهيَئة له تنضج غدا، لكنه لا ينتظر، ولا يُمهل، ولا يتريث ليُؤذن له، وإنما الدفع الضاغط المستمر، بعقل يقظ..يغرس ثقافة المقاومة السلمية، ويدفع لأن تحقق بغيتها، ولا يعني هذا أن تتحول، سريعا، إلى واقع، وإنما لا بد من ترويض ونفس طويل وصمود وتصميم وعمق في الوعي والتصور وهذا في محاولى للوصول إلى المُبتغى.

وما كان ممكنا قد يضيق به الواقع، لكن بالإلحاح في الضغط وإنضاج الظروف قد يصير واقعا ويتحقق على الأرض، وربما يتطلب هذا وقتا طويلا وقاسيا. ويُميَز الحراك بين المبدأ وتحققه، ويراعي إنضاج الموقف والظروف تدريجيا وعوائق الإمكان، فليس كل ممكن قابلا للتحقق قريبا، فالممكن النظري قد لا يتحقق عمليا إلا بعد نضج الظروف لذلك، وهذا ما أثبتته حقائق التاريخ، غير أن ما لا يتراجع عنه الحراك الشعبي، بل يعتمد عليه أساسا في مساره الثوري: قوة الضغط والدفع، وتحريك الشارع وصناعة الزخم وملازمة الساحات والميادين، غير هذا سيكون على هامش الأحداث ليتوارى عن الأنظار تدريجيا، فأجد جوانب القوة في هذه الثورة السلمية: استمرار الضغط والزخم والإبقاء على الشارع ثائرا لا يكاد يهدأ يقظا متحركا.

قراءة 118 مرات آخر تعديل في الخميس, 30 جانفي 2020 12:41