الأحد, 02 فيفري 2020 21:09

حيل الاستبداد مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / باحث وكاتب

يعد الاستبداد رأس البلاء في البلاد الشرقية، وهو قاطرة التخلّف، وعِماد منع إمكان إنتاج تفكير جِدِيٍّ في نهضة عامة فضلا عن نهضة سياسية، ونظرا لهذا الدور المشين، تراه يَعْمد إلى الحيل لأجل تحقيقه مقاصده والحفاظ على مكاسبه، والواقع أنّه لا مكاسب للاستبداد، ولكن المكاسب المستفادة هي منافع المستفيدين من إطالة عمره، بمنع نشأة أي تفكير موضوعي لدفعه، واستئصاله من الوعي الجمعي للمجتمع والدولة، والتأسيس لوعي جديد مبناه أنّ الاستبداد لا يؤسس دولة قصارى ما ينفع فيه تأسيس سلطة، تتحايل على المجتمع لإقناعه بأنّها تعبّر عن تطلّعاته، ولأجل تحقيق ذلك تعمل على اختراق الوعي العام بجملة من الحيل، منها على سبيل المثال لا الحصر.

1- تحويل الصراع من معركة تحرير الضمير الجمعي إلى معركة مكاسب يلتف حولها الذباب المتعيّش من فتات الموائد، وهذا المنطق لا يؤسس دولة ولا يمكن أن يقترب من حياضها، سينتهي هذا إلى فقد الثقة وتفجير إمكان التفكير في اكتسابها قابلا، وفي ذلك خسارة للأوقات والطاقات، وتضييع الأعمار مرة أخرى فيما لا ينفع الجميع، فلا ينتفع المُبْتَز منتفع ولا الطماعين سيستفيدون، فالكل خاسر.

2- شخصنة المعركة ضد الاستبداد، والاستماتة في تحويل وعي عموم الناس عن أهمية منطق الحرية في تأسيس الدولة واستمرارها، فتراهم يجتهدون في شغل عموم الناس بالربط بين معركة الحرية والفوضى، والواقع أنّ الذي اختار هذا المسلك لا يخاف ضياع وطن -لأنّه غير مهموم به-، ولكن يخاف ضياع مكاسب شخصية أو شللية أو شرذمة منتفعة، لهذا تراه يتبنى المخاطرة بمستقبل وطن لأجل مكاسب محصّلة أو محتملة التحصيل، وهذا النمط من الخلق يحبون أنفسهم لأنهم يعتبرون أنفسهم هم الوطن، فإذا استقروا في مناصبهم ويسّروا طريق تحقيق مكاسبهم، فقد استقر الوطن، وهذا مسلك خدم الاستبداد والأنانية.

3- تميّز المنطق الاستبدادي ومن لفّ لفّه في السعي الدؤوب لإهمال المساءلة عن القضايا الجوهرية والإغراق في التفاصيل، لهذا يعمد المستبدون ومن نسج على منوالهم في الساحة السياسية إلى الإغراق في التفاصيل، لأجل إلهاء الجمهور عن القضايا الجوهرية، المعركة الجوهرية منع استمرار الاستبداد وإنهاء مؤسساته ووسائل استنساخه، فكل شعار يبعد عن هذا المقصد، فهو ذخيرة إستراتيجية للاستبداد، ولا يهمّ الألوان التي يظهر بها هذا الشعار، فالذي يريد أن يقرر مكان الحراك أو يطلب مواصفات مسبقة قبل الدخول في التوافقات يُعَد من المُدَّخرات الحقيقية للاستبداد، وفي تصرفاته استعداد مسبق للتعاون مع الاستبداد ضد الرأي المخالف، وخاصة إن كان له سند شعبي قوي.

4- يملك الاستبداد مؤسسات ومتخصصين في استجلاب التعاطف، ويعتمد في الغالب على تسميم الواقع السياسي، بما لا يستعمله الاستبداد نفسه، فيستدر عواطف "الطيّبين" بوسائل الديماغوجية السياسية حينا، والابتزاز بالمسألة الأمنية حينا ثانيا، والخطر الأيديولوجي المخالف حينا ثالثا، والواقع أنّه لا خطر أعظم على جميع الألوان الإيديولوجية النزيهة من الاستبداد نفسه، لأنّ الاستبداد له وسيلة ثابتة عبر مختلف العصور، إنّها السمسرة السياسية، فيملك قدرة لا يستهان بها في تفتيت الوعي، وتحريش الجميع على الجميع، لكي يسلم له الوضع، على أمل أن يكون المصدر الوحيد للثقة، ولو حلّل العاقل بعين البصيرة، لوجد أنّ دفع السمسرة السياسية التي يمارسها الاستبداد لا تكون بغير ثقافة مدنية تؤسس للتثاقف السياسي الراشد الذي يفعّل كلّ الطاقات الوطنية لأجل دفع الاستبداد، والتأسيس لدولة القانون.

5- يتميّز الاستبداد بقدرة فائقة على المناورات، وقد عهدناه "مجتهدا" في تكوين المؤسسات الضرار التي يشوّش بها على المؤسسات الأصلية، فليس مستبعدا أن ترى حراكا ضرارا، قد يكون ممثلوه من "قدماء" الحراكيين، وهم في أصل الوضع من مدخرات الاستبداد في مؤسسات المعارضة الجدية، ويُمال إلى هذا المسلك لأجل منع الوصول بالحراك إلى مقاصده العظمى، المتجلية في سيادة شعبية مباشرة بآليات سياسية نزيهة وضمانات واقعية ظاهرة.

6-  يمارس الاستبداد معركة ربح الوقت، والمراهنة على الإعياء، وممارسة ذلك بصور مقزّزة في كثير من الأحيان، ومن ذلك التضييق الأمني المادي والمعنوي، حتى ينفد صبر عموم غير العارفين بأساليبه المنتهية الصلاحية.

وقد قيّض الله لشعبنا من يعرف خطورة الوقوع تحت طائلة الاستعجال في معركة دفع الاستبداد، فكانت كلمات السر: استدامة الحراك والصبر على متطلباته، والحفاظ على السلمية لأنّها تمثّل الطاقة النفّثة للحراك المبارك. والاستبداد ليس معركة موسمية ولا معركة ضد أشخاص، إنّها معركة ضد منطق حكم واستئثار بخيرات وطن، وعمل ميداني لأجل تجاوز هذا المنطق، والتأسيس لمنطق جديد، يثمّن المكاسب وينمّيها الجميع بالجميع لأجل الجميع.

قراءة 167 مرات آخر تعديل في الأحد, 02 فيفري 2020 21:25